عمان | عمّت شوارع الأردن خلال الأيام الفائتة تظاهرات احتجاجية ضد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القدس «عاصمة إسرائيل» الأبدية، وقد شملت هذه التظاهرات العاصمة عمان والمخيمات والمحافظات.


قد يتمكن المتجول العادي بين الحشود من التقاط أربع صور للاحتجاج أو الغضب أو الهواجس في نفوس المتظاهرين: واحدة تلتصق بالموقف الرسمي، وثانية يمكن تخيلها موجات صوتية تخرج من مكبرات الصوت على مركبات «الإخوان المسلمون»، وثالثة تتعلق بالمخيمات، ورابعة مغيّبة مع أن عدداً من التيارات اليسارية والقومية تتبناها وتحاول تعميمها.
الصورة الأولى تنطلق من خيبة الأمل الحكومية في حظوة مقعد على طاولة «صفقة القرن»، بغضّ النظر عن مآلات موقفها منها، أن ترفضها أو تقبلها، أو تقترح تعديلات عليها. فما كان من الموقف الرسمي إلا تصدير بيان على لسان المتحدث باسم الحكومة، محمد المومني، يدين التجاوزات القانونية التي ينطوي عليها تصريح ترامب: «إن هذا الاعتراف باطل قانوناً، لكونه يكرس الاحتلال الإسرائيلي للجزء الشرقي من المدينة الذي احتلته إسرائيل في حزيران عام 1967... قرار مجلس الأمن رقم 478 ينص على عدم الاعتراف بالقانون الأساسي الإسرائيلي حول القدس، ويدعو الدول التي أنشأت سفارات في القدس إلى إغلاقها».


هل على اللاجئين متابعة تصريحات الرياض مثل
تصريحات واشنطن؟

وقال أيضاً: «المملكة تؤكد أن القدس قضية من قضايا الوضع النهائي، يجب أن يحسم وضعها في إطار حل شامل للصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية سبيلاً وحيداً لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام، ووفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية».
ما لم ينتبه إليه الموقف الرسمي، أو ما أراد التغاضي عنه، كان واضحاً وصريحاً في خطاب الرئيس الأميركي نفسه: الفرضيات السابقة لم تعمل، مبادرات السلام السابقة لم تنجح... وجزء من هذه الفرضيات الفاشلة هي القوانين التي ما زال الموقف الرسمي يطالب بها الآن لمرة، وشهد بنفسه خرقها ألف مرة.
أن تكون القدس عاصمة إسرائيل ــ في رأي دونالد ترامب ــ ذلك هو الواقع، وذلك هو التعبير عن علاقات القوى، تاركاً وهم الحلول القانونية للموقف الرسمي!
الصورة الثانية تبدأ من الوجدان الديني العميق عند كل المسلمين في ما يتعلق بالأقصى، وهو ما تحاول الحركة الإسلامية استخدامه بعيداً عن مساراته التلقائية المهمة، وذلك لغسل ذنوب الحركة خلال السنوات الماضية في التنسيق مع السفارات الأميركية خلال حراكات «الربيع العربي»، وتأييد مركز «الإخوان» في مصر في الموقف الناعم من الكيان الصهيوني في حال وصولها إلى السلطة، والسكوت عن الحركات الإجرامية في سوريا، التي عالجت جرحاها في مستشفيات الكيان، واعتبار محور المقاومة العدو الأول لها وللأمة.
قد تكون الصلاة في المسجد الأقصى ممكنة، حتى مع صفقة القرن، لكنها لن تحصل إلا بمباركة التطبيع مع الكيان الصهيوني. هل ستحتج الحركة الإسلامية عندها؟
أما الصورة الثالثة، فهي وجدان الطفولة عند أبناء المخيمات «سنعود يوماً»، وهذا ما أجابت عنه رسالة وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، لولي عهده، محمد بن سلمان: توطين الفلسطينيين في أماكنهم، حيث هم، وضخ المال اللازم لكل ذلك. «صفقة القرن» هي التي ستمنع عملياً عودة هؤلاء، وما تصريح ترامب إلا تمهيد لها.
هل على اللاجئين الفلسطينيين متابعة التصريحات الصادرة من الرياض كما الحال مع التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض؟
الصورة الرابعة هي المركب من الصور الثلاث، وهي إجابة عن أسئلتها الصغيرة والمتخصصة؛ لن يكون للحكومة الأردنية مقعد على طاولة «صفقة القرن»، لا لشيء إلا لأن لها نصيب من «النميمة» السياسية هناك، وسيطلب منها لاحقاً، على عجالة، رعاية مواطنين من الدرجة الثالثة من شتى الأصول والمنابت، في إطار كونفدرالية تعيش في كنف المال السعودي والقوة العسكرية الإسرائيلية.
لن تخدم الظروف المقبلة الحركة الإسلامية أكثر، فالموقف من محور المقاومة يفرض اليوم في حزمة واحدة مع الموقف من القدس، وهذه حال اللاجئين الفلسطينيين: لم يعد هنالك حل إلا الحل الواقعي الوحيد: المقاومة!