سلحب | تبدو مدينة سلحب الواقعة على كتف نهر العاصي وفي قلب سهل الغاب، ظاهراً، محصّنة بقادة المجموعات الرديفة ورجالها المنتمين إلى الجيش السوري. غير أن ما ينساه المراقبون لأحوالها، لجان العمل الشعبي التي تقوم على التكافل الاجتماعي والتعاون بين أبناء البلدة، بهدف حصر آثار الحرب ومواجهتها.


وبينما تتلقّى المدينة «اتهامات» من المعارضة بكونها أحد «معاقل النظام»، ومشهورة بعمليات الخطف والسلب والتصفيات الجسدية، ينفي عدد من أبنائها تلك «التهم» المنسوبة إليهم، ويفاخرون بوجود أعداد كبيرة من النازحين فيها، من مناطق عدة، كحلب وإدلب ودرعا وريف حماة، ويقدّر عددهم بنحو 580 عائلة من أصل 40 ألفاً هم عدد سكان سلحب، وفق تقديرات مجلس المدينة. وتبعد سلحب عن مركز مدينة حماة 45 كيلومتراً غرباً، وهي المسافة نفسها التي تفصلها عن الساحل. وتعتبر أحد رؤوس مثلث دفاعي ضد هجمات المسلحين المستمرة، والذي تكوّنه معها بلدتا السقيلبية ومحردة. وقد عانت المدينة، الواقعة جنوب سهل الغاب، صعوبات الحصار، وصدّت محاولات الخرق الأمني المستمرة، فيما واجه أهلها هواجس الدعايات التي يضخّها المسلحون بين فترة وأُخرى، عن التحضيرات لهجمات برية، باستخدام المفخّخات والانتحاريين.

«أمّ الفقر»... المتهمة!

يعتقد أبناء سلحب أن اسم مدينتهم جاء قديماً من عبارة «سال الحب»، وهو ما يعارض بنظرهم كل محاولات التشويه التي تعرضت لها المدينة خلال الحرب. ولا يختلف أهالي المنطقة كلها على توصيف سلحب بـ«أم الفقر»، وسط مبادرات أهلية مستمرة توضح إرادة أهلها، ممن لا ينتظرون الحكومة، بل يعتمدون على أنفسهم في إنشاء مبرات خيرية للتعازي، ومبنى للجيش الشعبي، إضافة إلى مستشفى قيد الإنجاز ومبنى شعبة تجنيد ضمن أملاك البلدية، بعد أن دفعوا بأنفسهم ثمن الأرض. يفتخر رئيس بلدية سلحب، محمد أسعد أمون، بقدم العمل الشعبي في المدينة، منذ ما قبل الحرب وتسلّمه منصبه، إذ يعود النشاط الشعبي إلى عام 2007.
وبينما دفعت المدينة أكثر من 10 شهداء، ضحايا لنحو 900 صاروخ سقطت على أحيائها، مخلّفة الكثير من الإصابات، فهي تفاخر بتقديم 538 شهيداً في صفوف الجيش والقوى الرديفة. ويعتمد الأهالي حالياً على العيادات الشاملة، بعدما قاموا بتفعيل عملها، واهتموا بإنشاء مركز لها مؤخراً، بانتظار إنجاز المستشفى قريباً. وفي حين يعتبر مجتمع سلحب زراعياً، يعتمد على زراعة الخضر والقمح والقطن، يشكك البعض في مصادر تمويل العمل الشعبي الضخم الذي نشط أكثر من الماضي. لا مغتربين كثراً لدى عائلات سلحب، ما يفتح التساؤلات عن تمويل المشاريع الخيرية الضخمة، لتنتشر الاتهامات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لقادة المجموعات الميدانية بتبييض أموالهم التي جمعوها من الكسب عبر الحرب. وهو أمر ينفيه كلياً رئيس البلدية، مكذّباً الاتهامات لأبناء سلحب بتنفيذ حالات الخطف والقتل. ويقول إنه «منذ بدايات الحرب لم تسجّل سوى حالتي خطف. وإن حدث الخطف فهو يتم على الأوتوستراد خارج المدينة. لماذا اتهام أبناء سلحب باستمرار، من بين جميع أبناء المنطقة؟». وينفي أمون جميع الشكوك في تمويل العمل الشعبي، فيما يرى عدد من أبناء البلدة أن الاتهامات تهدف إلى تقزيم الحالة المجتمعية الغنية التي قدمتها سلحب كنموذج حقيقي على الحالة المدنية والتعاون بين الأهالي.
العيادات الشاملة تحتلّ الطبقة الثانية من مبنى تشغل مبرة خيرية للتعازي طبقته الأرضية، مقدّمة من سكان سلحب أيضاً، ما يشرح عمق الحالة الشعبية المتجذرة في واقع المدينة، غير المنتظرة من الحكومات المتعاقبة سوى الإهمال. يتكون الفريق الطبي العامل في العيادات من 14 شخصاً، بين أطباء وممرضين وإداريين. وتتألف من 3 عيادات وصيدلية ومختبر. يحدد الدكتور عبد العزيز بشلاوي، طبيب الأمراض الداخلية، متوسط عدد الحالات التي يعالجها يومياً بنحو 20 حالة، بينما يقتصر عمل الطبيبة سارة جنيد، اختصاصية أمراض النساء، على الاستشارات ووسائل تنظيم الأسرة، بانتظار وصول المعدات الطبية.

عن القيم الإيجابية... والدولة «الحكيمة»

على الطريق إلى منزل الطفل المصاب جهاد جنيد، يمكن أن تلمح العديد من ورشات البلدية العاملة على تعبيد طرق المدينة، على الرغم من أن اليوم يوم عطلة. وهو أمرٌ يفاخر رئيس البلدية به أيضاً، إذ إن ورش البلدية المتعلقة بتعبيد الطرق وتخديم الأحياء بشبكات الصرف الصحي لا تتوقف عن العمل. وقرب إحدى مدارس البلدة يمكن أن تسمع عبارة: «هُنا سقط الصاروخ على الطفلين»، لتتوقف أخيراً على باب العائلة التي كادت تخسر ابنها الوحيد. على الباب شجرة جوز كئيبة، بحكم قدوم الشتاء، توحي بحزن إصابة الصغير وظلم صاروخ أردى طفولته إلى حين. زيارة الفتى المصاب الذي عاد من المستشفى حديثاً تتطلب وضع كمامة للحديث معه، كالتي يضعها هو أيضاً، بسبب العزل الذي يتطلبه العلاج.


يشيد أهالي المدينة بصمود أهالي جارتها محردة

15 يوماً اقتضى علاجه في مستشفى مصياف الوطني، إثر إصابته بشظايا في الرئة والظهر والقدمين، إحداها ما زالت مستقرة في جسده، فيما احتاج علاجه إلى دفعات متتالية من الدم، بفعل النزف الشديد. وعند إجابته عمّا يعانيه اليوم بعد الإصابة، يجيب بلا مبالاة رجلٍ واجه الموت: «مللتُ الفراش». يضيف والده مبتسماً بمرارة: «أصبح يخاف. لم يكن يخاف من قبل.». ويتابع قوله: «تعرضت البلدة في ذلك اليوم لصاروخين. كنت أقوم بإسعاف عمي بعد إصابته جراء الصاروخ الأول، لأصدم بإصابة ابني أيضاً». يحتفظ الوالد بصور للرئة المصابة، وكيس الخبز الملوّن بدماء ابنه، في حين يقول ابنه: «كنت أحضر الخبز مع صديقي شعبان، عندما أصبنا معاً بشظايا الصاروخ». الطفل الذي كبر خلال الحرب توقع أن يتأخر إسعافه، فسارع يجرّ وراءه الدماء ليطرق أحد أبواب المنازل القريبة، ويفاجأ بوجه معلّمته التي وجدت نفسها أمام تلميذها المصاب، الذي يطالبها بإسعاف صديقه الممدّد في الطريق. قصة الصغير الذي استيقظ من موته، لتكتب له حياة جديدة يتناقلها أهالي سلحب بمحبة. هم الذين هرعوا إلى مستشفى مصياف الوطني للتبرع بالدم. أمرٌ مدهش، بحسب والد الفتى، أن «يجد المئات من أبناء مدينته جاهزين لتقديم أي مساعدة». وبعد مقابلة جهاد الصغير، يمكن اللقاء بجهاد الكبير أيضاً. جدّ الفتى جهاد جنيد، أحد أقدم المدرّسين في المدينة ونائب رئيس الجمعية الخيرية، يعلّق على إصابة حفيده بالقول: «لا يمكن التعامل بمنطق الفعل ورد الفعل مع مثل هذه الحالات. نحن ندفع ضريبة». يقاطعه أحد ضيوفه مشيداً بـ«حكمة الحكومة»، بالقول: «الدولة تقدّر الأمر بشكل أشمل من مجرد تهديد منطقة بالصواريخ. استراتيجية دولتنا أبعد من أيّ تهديد شخصي». يوافقه على ذلك زوار الطفل المصاب. الأستاذ المخضرم، الذي يكنّ له أهالي المدينة احتراماً قديماً، يعود للقول: «القيم الإيجابية ما زالت متماسكة في سلحب، رغم الحرب. أعتقد أن ذلك أمر تفتقده مناطق سورية عدة». يشرح أحد الضيوف أن أول زفاف تمّ في سلحب حصل منذ قرابة شهر، إذ امتنع أبناء المدينة عن كل أنواع الاحتفالات تضامناً مع الأسر المتضررة من الحرب، أسوة بكل قرى الغاب، خلال السنوات الماضية. يشيد الموجودون بصمود أهالي الجارة محردة، معتبرين أن صمودهم جميعاً يأتي بفعل تهديد الهوية. ويجدون أن المغريات لأهالي محردة كانت كبيرة للرحيل عن المنطقة، فيما ارتضى معظمهم بدوره كخط دفاعي أول في وجه مسلحي الجوار.