تسارعت الأحداث بعد الانقلاب الفاشل في العاصمة اليمنية صنعاء على أكثر من صعيد؛ ففيما كانت الأخيرة تتّبع خيوط ما حدث في بداية الشهر الجاري، كشفت وزارة الداخلية اليمنية معلومات خطيرة عن الخطة المحكمة التي أعدّها قادة الانقلاب، من تقسيم العاصمة إلى مربعات أمنية لتسهل السيطرة عليها، إلى الخطة التفصيلية التي نجح الانقلابيون لمدة ثلاث ساعات في تطبيقها قبل أن تعيد حركة «أنصار الله» المبادرة في يدها.


في المقابل، خرجت دول الخليج وحلفاؤها الغربيون بعد فشل الانقلاب بخفّي حنين، وكما في كل مرة، بدأت تلك الدول بتجميع أوراقها المشتتة والمستهلكة لعلها تستطيع الوقوف في مواجهة المستجد الجديد في صنعاء على المستويين السياسي والعسكري. والبارز في النشاط السياسي التحرك البريطاني لوزير الخارجية بوريس جونسون في المنطقة، والتسريبات عن إشرافه على مبادرة لإخراج السعودية من المستنقع عبر الترويج لمصالحة بين «أنصار الله» و«المؤتمر الشعبي العام».
ويعمل جونسون في هذه الأثناء على تلميع صورة أحمد، نجل الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، على أن يكون ثمن المصالحة موافقة المكونات اليمنية، ومن ضمنها «أنصار الله»، على رئاسة أحمد علي صالح لليمن بصورة مؤقتة، لكن هذا الطرح يلقى معارضة شديدة من القوى الحليفة، ولا سيما شريكي «الشرعية»: الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي ونائبه علي محسن الأحمر.
وكان وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية، أنور قرقاش، قد قال في تغريدة على «تويتر» إن «اليمن مقدم على خريطة وتضاريس سياسية جديدة. عنوان المرحلة يجب أن يكون توحيد الصف ضد الحوثي».
وقد جاء تحرك «التحالف» على النحو الآتي:
أولاً: عقدت اللجنة الرباعية الدولية بشأن اليمن مساء الأحد الماضي اجتماعاً في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، لبحث آخر التطورات في الأزمة. وضم الاجتماع وزراء خارجية السعودية والإمارات وبريطانيا وممثلاً عن الخارجية الأميركية. وعقد الاجتماع على عجالة بعد زيارة جونسون للعاصمة الإيرانية طهران، حيث بحث مع المسؤولين سبل إيجاد حل سياسي للصراع المدمر في اليمن ضمن ملفات أخرى، وفق بيان للخارجية البريطانية.
اجتماع الرباعية في أبو ظبي هو الثاني خلال أقل من أسبوعين، إذ عقد الاجتماع الأول في لندن بحضور سلطنة عمان ومبعوث الأمم للمتحدة إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ. تجدر الإشارة إلى أن هذا الاجتماع لم يصدر عنه بيان رسمي، ويأتي بعد تعرض محطة براكة للطاقة النووية، التي تبعد عن أبو ظبي أكثر من 200 كلم، للقصف اليمني، خاصة مع إشارة خبراء أميركيين إلى فشل منظومة «باتريوت» في التصدي لصاروخ الرياض السابق له.
وكان قائد «أنصار الله» عبد الملك الحوثي قد حذر، عقب فشل انقلاب صنعاء، كافة المستثمرين العرب والأجانب، طالباً منهم نقل استثماراتهم من الإمارات والسعودية باعتبار الدولتين غير آمنتين للاستثمارات.
ثانياً: إعادة صياغة التحالفات اليمنية بعيداً عن الخلافات السابقة وبما ينسجم مع المتغيرات الجديدة وحتمية تقديم تنازلات مؤلمة من الأطراف اليمنية المتصارعة ضمن قوى «التحالف». وبالفعل، سارعت بعض هذه القوى إلى الاستجابة الفورية للطلبات الخليجية بتحويل العداوة إلى صداقة بعد أن كانت حتى الأمس القريب تتقاتل في ما بينها، وسقط بينها العشرات من القتلى والجرحى.
في هذا الإطار، دعا نائب رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» هاني بن بريك، المموّل والموجّه من الإمارات، إلى دعم عبد ربه هادي حالياً لكي ينجح. وأكد بن بريك في تغريدة على حسابه «دعم إدارة هادي لينجح في مرحلة تاريخية». وكان هادي قد أقال بن بريك في نيسان الفائت من منصبه كوزير دولة وأحاله على التحقيق، إضافة إلى إقالة محافظ عدن عيدروس الزبيدي، ليحتدم الصراع بين الرجلين والرئيس المستقيل، حتى أمس.
وفي السياق نفسه، تعمل الإمارات على احتضان أعضاء «المؤتمر» الهاربين من صنعاء، في محاولة منها لإعادة «هيكلة وتشكيل المؤتمر» بما ينسجم مع ما تسميه الإمارات إعادة رسم الخريطة الجديدة في مواجهة «أنصار الله». ولهذه الغاية استدعت أعضاء «المؤتمر» الجنوبيين «البارزين» إلى أبو ظبي، وتجري مشاورات مع العديد من الأطراف اليمنية والخليجية في إطار تلميع صورة قائد الحرس الجمهوري السابق أحمد، نجل الرئيس الراحل، وتقديمه كرئيس جديد خلفاً لوالده. لكن خطة لمّ شمل المكوّنات المحسوبة على «التحالف» لا يزال ينقصها الكثير من العمل، ولا يتوقع أن تنجح بسبب التضارب الشديد في أجندات تلك المكوّنات.
ثالثاً: على المستوى العسكري، باغتت الفصائل الجنوبية الإماراتية «النشأة والدعم والتوجيه»، وبإسناد جوي مكثف من طائرات «التحالف»، الجيش واللجان الشعبية اليمنية في الجبهة الساحلية، وهاجمت عبر محور المخا التابعة لمحافظة تعز الخوخة، وهي المديرية الاولى في الحديدة، وذلك بتواطؤ مباشر من أنصار الرئيس الراحل في المنطقة، ما أدى إلى خرق في المديرية وسقوط المدينة بأيدي الفصائل الجنوبية.
لكن في اليومين الأخيرين استقدمت قوات صنعاء تعزيزات عسكرية وباشرت هجوماً معاكساً على الفصائل الجنوبية والقوات الإماراتية، واستطاعت قطع خط الإمداد الوحيد إلى الخوخة، بالإضافة إلى السيطرة على مواقع ذات تأثير مباشر في جبهة الساحل، وتمكنوا من السيطرة على تبة الخزان ومواقع مجاورة في عملية عسكرية في الهاملي في مديرية موزع في تعز. ومن المتوقع أن يسيطر الجيش و«اللجان» في الساعات المقبلة على كامل النقاط التي فقدت في الأيام الماضية.
لم تستفق دول «التحالف» بعد من أثر صدمة فشل انقلاب صنعاء، ولم تستطع حتى هذه اللحظة تكوين صورة كاملة للمرحلة المقبلة المثقلة بالأعباء والتكاليف، كذلك فإن تكلفة ما سمّوه إعادة اليمن إلى الحضن العربي أدت إلى إحكام الانسدادات السياسية والعسكرية على أنفسهم، ولم يبقَ أمامهم سوى خيار التنازل لصنعاء.