الرباط | حسم المؤتمر الوطني الثامن لحزب «العدالة والتنمية» المغربي، المنعقد يومي السبت والأحد في الرباط، بشكل رسمي مستقبل عبد الإله بنكيران، الذي يعد زعيماً تاريخياً للحزب، بعدما صادق معظم المؤتمرين الحاضرين الذين تجاوز عددهم 2300 مؤتمِر، على مشروع تعديل النظام الأساسي للحزب الذي لم يتضمن بند «التمديد» لبنكيران.


العثماني خلفاً لبنكيران

انتخب المؤتمر الوطني الثامن لحزب «العدالة والتنمية»، مساء أول من أمس، رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أميناً عاماً جديداً للحزب خلفاً لعبد الإله بنكيران، بعد أكثر من ثماني ساعات من التداول والجدل السياسي بين «تيار الوزراء» الداعم للعثماني وتيار بنكيران.
وحصل العثماني على 1006 أصوات (51.8 في المئة)، مقابل 912 صوتاً (48.2 في المئة) لمُنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، المقرب من بنكيران، وتم احتساب 25 ورقة ملغاة، إذ بلغ عدد المصوتين 1943.
وسينتخب «المجلس الوطني» (برلمان الحزب) في ما بعد أعضاء «الأمانة العامة» (أعلى هيئة تنفيذية)، في وقت خوّل القانون الأساسي للأمين العام اقتراح أعضاء الأمانة العامة لانتخابهم من أعضاء «المجلس الوطني».
وكان عبد الإله بنكيران الأمين العام السابق لحزب «العدالة والتنمية»، قد أعلن في كلمة ألقاها في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر صباح يوم السبت، عدم عودته لقيادة سفينة الحزب الإسلامي مع عزمه على البقاء داخل صفوف الحزب، بالقول: «دعونا نكون واضحين. كلمتي ليست خطبة وداع نهائية عن الحزب وإنما خطبة وداع عن الأمانة العامة».

صراع الدقائق الأخيرة


حصل العثماني على 51% من الأصوات مقابل 48% لمُنافسه

لم يكن أحد يتوقع أن طريق انتخاب الأمين العام الجديد سيكون مفروشاً بالورود على الأقل بالنسبة إلى تيار ما بات يعرف في الإعلام بـ«تيار الوزراء» المدعوم من قبل حركة «التوحيد والإصلاح» (الذراع الدعوية للحزب)، حيث فاجأ أنصار بنكيران بالدفع بورقة رئيس الفريق النيابي للحزب في مجلس النواب، إدريس الأزمي الإدريسي، للتنافس على منصب الأمين العام، وهو ما خلق نوعاً من التوتر داخل المؤتمر ومنافسة حادة أثناء التصويت.
«الأخبار» تابعت مراحل المؤتمر، إذ تبيّن حجم الصراع الخفي بين تيارين يتصارعان داخل الحزب الإسلامي، الأول يدعم تجربة حكومة العثماني والثاني يرفض دعمها، إذ دعا البعض إلى الخروج إلى المعارضة بدل الاستمرار في تقديم التنازلات للقصر.
أغلب وزراء الحزب الإسلامي، وفق مصادر حضرت أعمال المؤتمر، عبّروا عن رفضهم اختيار أمين عام جديد غير رئيس الحكومة الحالي، لأن «عدم اختيار العثماني يعني الخروج إلى المعارضة» وفق تعبير عزيز رباح، الذي يشغل منصب وزير الطاقة والمعادن.
وكانت رئاسة المؤتمر قد أعلنت صباح يوم الأحد نتائج التصويت الأولية، التي أفرزت ثمانية مرشحين، أولهم سعد الدين العثماني، بـ 180 صوتاً، يليه إدريس الأزمي بـ 110 أصوات، ثم عبد العزيز العمري بـ 60 صوتاً، ثم مصطفى الرميد الذي يشغل منصب وزير حقوق الإنسان بـ 47 صوتاً، يليه عبد العزيز أفتاتي بـ 44 صوتاً، ثم عبد العزيز الرباح بـ 42 صوتاً، فجامع المعتصم بـ 34، وأخيراً سليمان العمراني بـ 32 صوتاً.
وبعدما شرع أعضاء المجلسين الجديد والقديم في التداول بالأسماء المرشحة، في ظرف زمني استغرق خمس ساعات، اعتذر أغلب المرشحين الذين تجاوزوا عتبة الـ 10 في المئة من الأصوات، ليبقى في مسار التنافس على مهمة الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية»، كل من سعد الدين العثماني وإدريس الأزمي الإدريسي.

إعفاء «ثانٍ» لزعيم «إسلاميي القصر»

منذ واقعة إعفائه من طرف ملك المغرب محمد السادس من رئاسة الحكومة في شهر آذار/ مارس الماضي، لم يصمد زعيم «العدالة والتنمية» كثيراً، حيث تلقى الضربة تلو الأخرى، وخصوصاً من قبل إخوانه في الحزب الذين اصطفوا ضده بعد الإعفاء الملكي، واختاروا الانحياز لمربع السلطة في المغرب بدل معاكسته.
بيد أن بنكيران الذي صعَّد في خطاباته بين الفينة والأخرى تجاه السلطة في المغرب، وخصوصاً عندما طالب بفتح تحقيق في عرقلة تشكيل حكومته، لم يجد من المناصرين سوى شباب حزبه، وهو ما اتضح جلياً خلال أطوار انعقاد «المجلس الوطني» (برلمان الحزب) الذي سبق انعقاد المؤتمر ورفض تعديل المادة التي كانت ستسمح لبنكيران بالترشح لولاية ثالثة.
وكان واضحاً خلال الكلمة التي ألقاها الزعيم الإسلامي المنتهية ولايته، صعوبة المرحلة التي يمر بها «إخوان المغرب»، حيث قال إن «السماح بدخول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للحكومة كان ضربة قاسية جداً لحزبه بعد تلقيه ضربة إعفائه من رئاسة الحكومة»، في إشارة إلى أن حزب «الاتحاد الاشتراكي» تم فرضه بالقوة على التحالف الحكومي الذي يقوده «العدالة والتنمية».
وأضاف الأمين العام السابق لحزب «العدالة والتنمية» موضحاً «تدبرنا المرحلة بصعوباتها وتجاذباتها، وتجاوز فيها البعض أحيانا الحدود، ومن الطرفين. الأصداء كانت تصلني باستمرار، ودخل حزبنا في خلاف سياسي وقانوني وفقهي لم نكن نتوقعه»، مقراً بأنه تعمّد تعطيل لقاءات الأمانة العامة حتى لا يقع الانفجار. وتابع بنكيران قائلا :«كان يمكن أن نختار الخروج إلى المعارضة، ونمارسها بشراسة، ولكن قدّرنا أن مصلحة البلد تقتضي أن نتفاعل إيجاباً مع بلاغ الديوان الملكي القاضي بتعيين شخص آخر من حزبنا، رغم أن ذلك خالط ما خالطه، ألا وهو دخول حزب (الاتحاد الاشتراكي) إلى الحكومة، والذي تشبثنا برفض مشاركته في الحكومة طيلة خمسة أشهر».
ويرى عدد من المحللين المغاربة أن خطوة إبعاد بنكيران على رأس الحزب، بمثابة إعفاء ثانٍ له بعد الإعفاء الملكي له من رئاسة الحكومة، مؤكدين في أكثر من تصريح للصحافة المغربية أن «العدالة والتنمية» سيخسر كثيراً من الناحية الشعبية والتواصلية باعتبار أن بنكيران يعدّ «ماكينة تواصلية» بامتياز وشعبيته تتجاوز شعبية الحزب نفسه.