للمرة الأولى بعد بيعة جماعة «أنصار بيت المقدس» وتحولها إلى «ولاية سيناء» في تشرين الثاني الماضي، يجرؤ عناصر من التنظيم على قصف جنوب فلسطين المحتلة بصاروخين، وإعلان ذلك بعد ساعات فقط من هجوم كبير حاولت فيه «الولاية» إيجاد موطئ قدم لها ثابت في سيناء، وتحديداً في مدينة الشيخ زويد قرب غزة. تكتيك أو قرار، خالف به تنظيم «ولاية سيناء» السياسة التي اختطها أمراء «داعش» والقائمون عليه، وهي تقضي بتأجيل المواجهة ــ على الأقل ــ ضد إسرائيل، لأن «الأوْلى مواجهة الأعداء الأقربين» من العرب، وعلى امتداد ذلك المواجهة المستمرة والقائمة الآن مع الجيش المصري.


ولا يخفى أن تكوُّن خلايا المجموعات الموالية لـ«داعش» في سيناء مختلف عن بقية الدول الأخرى، والسبب في ذلك خصوصية هذه المنطقة الصحراوية، التي يبدو أن قيادة التنظيم قد وافقت على اعتبارها «إمارة بحد ذاتها» برغم أنها لم تسيطر على مناطق معينة، نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية؛ فمساحة سيناء تبلغ 61 ألف كلم مربع، أي ما يزيد على مساحة لبنان ست مرات وفلسطين مرتين، كذلك فإنها مليئة بالثروات الطبيعية، وتطل على بحرين هما الأبيض المتوسط والأحمر، ثم على واحد من أهم الممرات المائية في العالم (قناة السويس)، بالإضافة إلى كونها «بوابة مصر الشرقية»، ويبلغ طول حدودها مع فلسطين المحتلة ــ بما في ذلك قطاع غزة ــ 254 كلم... كلها أسباب كافية لإسالة لعاب «داعش» بالتأكيد.


يُعنى المسلحون بالموقع الاستراتيجي، والأسلحة، والعناصر المدربة


وبرغم غياب الأرض الثابتة (السيطرة على مدينة بحد ذاتها)، فإن هذا لم يمنع نجاح النشاطات الداعشية في سيناء، فعادة تعنى المجموعات المسلحة بثلاث نقاط أساسية: الموقع الاستراتيجي، وتوافر الأسلحة، ووجود العناصر المدربين. جميع هذه العناصر ملائمة وموجودة في شبه جزيرة سيناء، بل إن «ولاية سيناء» وجدت ميزة رابعة شديدة الأهمية: الحاضنة الشعبية ــ القبلية، التي من نافلة القول شرح ما تعرضت له من تهميش تاريخي على يد الدولة الرسمية. برغم ذلك، تبقى «داعش» جزءاً من «مشكلة سيناء» إن صح التعبير، ولفهم هذا النشوء يمكن المرور على أربع مراحل:


المرحلة الأولى: التأسيس

لا ينعزل نشوء «ولاية سيناء» عن منظومة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والوضع الحدودي الخاص بسيناء، التي عانت الإهمال الحكومي والنقص الحاد في مختلف الخدمات الأساسية والبنى التحتية، كمياه الشرب ومشاريع الإسكان والمشاريع الاقتصادية والتنموية وغيرها. أما الوضع الحدودي غير المستقر، فأسهم في ازدهار التهريب وتجارة الممنوعات كالمخدرات والسلاح.
وفي ظل اعتماد السلطات المركزية على غير أبناء سيناء في مختلف المناصب الحكومية المهمة داخل شبه الجزيرة نفسها، فإن هذا جعلهم ينظرون إلى المؤسسات الرسمية على أنها «لا تمثلهم» فعلياً.
ومع بداية عام 2002، تشكلت مجموعات محدودة من أصحاب الفكر التكفيري، الذين استفادوا من الطبيعة الجغرافية الصعبة والواسعة لسيناء من أجل التدريب والاختباء وتكديس الأسلحة، بعيداً عن قبضة الحكومة المركزية، التي لم تكن تمتلك أي مراكز أمنية قوية هناك، فضلاً عن أن اتفاقية «كامب ديفيد» فرضت عليها ألّا تقيم أي موانئ أو مطارات أو قواعد عسكرية ذات أهمية بالترافق مع وجود قوات محدودة لها هناك، ما أضعف سيطرتها على شبه الجزيرة إلى حد كبير، وجعلها مسرحاً لقادم الأيام السيئة.


«البحث عن العراب»

عام 2004، جاءت تفجيرات طابا لتعلن الوجود العسكري للجماعات التكفيرية في سيناء. كان الإعلان باسم «كتائب التوحيد الإسلامية». وكانت ضربة قوية أشعلت غضب السلطات التي شنت بعدها حملة أمنية شرسة أدت إلى ارتفاع النقمة عليها في أوساط بدو سيناء، فضلاً عن أنها لم تتمكن من القبض على أي من المسؤولين عن العملية.
في تلك المرحلة، بدأت مسألة البحث عن «الأب الروحي» أو «العرّاب» الذي يمكن أن يحتوي أبناء تلك المجموعات، ولم يكن هناك بطبيعة الحال سوى تنظيم «القاعدة»، فعندما جرت عملية شرم الشيخ ــ 2005، ظهر اسم جديد على الساحة هو «كتائب الشهيد عبد الله عزام» التابعة لـ«القاعدة».
والمؤكد في المسألة، أن البحث عن اسم تنظيم دولي تنضوي تحته تلك المجموعات وأن تكون «وكيلاً محلياً» له لم يأتِ من فراغ؛ فهذا الانضمام سيوفر لها إمكانية جذب المزيد من العناصر التي تحتاجها لزيادة عددها، مع تقديم مختلف وسائل الدعم لها، وسطوع الاسم في حالة المنافسة بين المجموعات الإرهابية المتعددة في سيناء، التي لم تكن جميعها، بطبيعة الحال، بالقوة أو الكفاءة المتماثلة.

ثالثاً: التمدد

أدت أحداث ما يعرف بـ«الثورة الليبية» إلى تهريب أسلحة من الأنواع كافة، كانت موجودة في مستودعات قوات العقيد معمر القذافي، لتصبح في حوزة هذه المجموعات. وللمرة الأولى في تاريخها، وصلتها أسلحة كمضادات للطيران وللدبابات، وهو ما زاد قوتها إلى حد بعيد، وأسهم في نجاعة عملياتها.
برزت إحدى تلك المجموعات، عقب مبايعتها لأبي بكر البغدادي، فتغير اسمها من «أنصار بيت المقدس» إلى «الدولة الإسلامية ــ ولاية سيناء»، وهو ما أكسبها امتداداً قوياً وواسعاً بين أبناء المجموعات المختلفة في شبه الجزيرة. بهذا استطاع «داعش» أن ينتزع الصدارة من «القاعدة» في سيناء من دون أي كلفة أو مواجهات. زمنياً جرى ذلك بدءاً من 2014، حينما أصبحت العمليات الموجهة ضد الجيش المصري أكثر شراسة، ليس في سيناء وحدها، بل في مناطق أخرى.
واللافت أن جل أفراد تلك المجموعات ليسوا ذوي مستوى ديني يوصف بأنه عالٍ ــ مثل حركة «طالبان» التي أنشأها طلبة المدارس الدينية ــ بل هم في مجملهم من الشباب ذوي المستوى العلمي والفكري المحدود، وهو ما يتجلى في لغتهم العربية الركيكة وإصداراتهم المرئية الضعيفة مقارنة بباقي فروع التنظيم، بل كثيرون منهم قدِموا من عالم التهريب مثل شادي المنيعي، وآخرون مطلوبون للثأر في المجتمع القبلي مثل سلامة أبو دان. أيضاً، تختلف دوافع كل منهم للانضمام إلى تلك المجموعات؛ فمنهم من يبحث عن «القوة والسلطة»، ومنهم من يسعى إلى الانتقام من الحكومة المركزية، لما قامت به من ممارسات بحقهم، وآخرون أخذتهم موجة الصعود.

تحدي الحكومة المركزية

في المراحل الأخيرة، صار تحدي السلطة المركزية المصرية هدفاً أساسياً للمجموعات العاملة في سيناء، وبدأ ذلك من بوابة إثبات وجودها وسطوتها على الأرض، وتصاعد مع عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي عن السلطة، ولكن فوْرة العمليات لم تكن انتقاماً من «داعش» بشأن مرسي الذي لا تراه هو وجماعته في موضع الإمرة عليهم أو حتى الصلة الوطيدة. مضت الأيام وتحولت نشاطات «أنصار بيت المقدس» التي لم تكن تزيد في السابق على تفجير خط تصدير الغاز إلى إسرائيل، منذ عام 2011، إلى مهاجمة قوات الجيش، وجاء مقتل 16 جندياً مصرياً عام 2012، في تحدٍّ سافر لأبرز قوة تمثل الحكومة المركزية، أي الجيش، الذي أعلن أفراد تلك المجموعات الإرهابية تكفيره وأنه هدف مشروع لهم.

اعتمدت الحكومة
غير أبناء سيناء في المناصب المهمة داخلها

لم تنجح عملية «نسر» التي قام بها الجيش المصري في تحقيق ضربة موجعة ضد «أنصار بيت المقدس»، كذلك إن ممارساته القاسية بحق الأهالي، كتدمير البيوت والقصف العشوائي والاعتقالات للمئات دونما وجود أدلة حقيقية وغيرها، أدت كلها إلى تفاقم الغضب العام، وهو ما أدى إلى تقديم خدمات ثمينة للمجموعات التكفيرية، عبر انضمام المزيد من العناصر الغاضبة إليها.
كان كل ذلك تحدياً سافراً للحكومة المصرية، التي حاولت مراراً توجيه ضربات أمنية وعسكرية دون جدوى، بل وصلت المسألة إلى ادعاء الحكومة قتل شادي المنيعي، أحد أخطر قيادات تلك المجموعات، وهو «العقل المدبر» الذي يقف وراء مختلف عملياتها الإرهابية، لكن المنيعي ظهر في مقطع فيديو لينفي مقتله، ما أوقع الحكومة في حرج كبير. كذلك جاء تحدٍّ آخر للحكومة تمثل في قصف جنوب فلسطين المحتلة، أخيراً، وهو أمر وإن تعارض مع استراتيجيات داعش، فإن الهدف الرئيسي منه إحراج القاهرة أكثر فأكثر مع تل أبيب.

أين الحل؟

غالبية الخبراء العسكريين يدركون الخطورة في تلك المجموعات. إنها تقاتل على أرضها، وفي ظل تضاريس وعرة يصعب على الجيش النظامي الذي يفتقد أصلاً قواعد الدعم اللوجستي هناك أن يشن ضربات قوية أو مستمرة. كذلك لا تُنسى طبيعة البدوي الذي يتميز بالشدة والبأس، فهو مقاتل جيد في بيئته التي يعرفها، وأثبت كفاءته في مختلف المعارك السابقة ضد إسرائيل، وهو مجبول على الثأر ولا يغفر لمن أهانه مطلقاً، مهما طال الزمن، عملاً بالمثل القائل: «أخذ البدوي بثأره بعد أربعين سنة، وقال: استعجلت».
لذلك، إن الانتصار أمام أي مجموعات متشددة ومسلحة عبر عمليات أمنية وعسكرية محدودة ــ كما يجري الآن ــ أمر مستحيل، وهي إجراءات ستلاقي الإخفاق في ظل أنها تجرف مستقبل الأهالي هناك. ودوماً كانت تخرج نداءات تشدد على ضرورة التقرب إلى المجتمع المحلي البدوي في سيناء ودفعه إلى نبذهم، مع التوقف عن أي إجراءات بحق السكان، من شأنها أن تزيد الوضع اشتعالاً، ولكن ما يحدث حالياً يدفع المواطنين إلى الرحيل قسراً أو طوعاً.
حتى إن تنفيذ عمليات أمنية ضد تلك المجموعات، بالاعتماد على زرع عملاء متخفين داخلها، لم ينجح بصورة كلية، إذ إن فكر «داعش» الذي يتعاطى مع أي تواصل مع الجيش بأي مستوى على أنه خيانة توجب إعدام حتى النساء، يصعّب هذه المهمة على الجيش. وأخيراً، إن إعلان التعاون بين إسرائيل ومصر في محاربة «داعش» سيؤدي إلى نتيجة عكسية، كإظهار هؤلاء الإرهابيين بمظهر «الأبطال والشهداء».