سيناء | أفراد الشرطة هم، بطبيعة الحال، متخرجو معاهد أمناء الشرطة المصرية ويعملون تحت إمرة الضابط، لكنهم الحلقة الأضعف في وزارة الداخلية برغم وقوفهم الدائم عند خطوط المواجهة الأمامية. باختصار، لا يلقى هؤلاء أي اهتمام من الوزارة.

في شبه جزيرة سيناء، يعيش أمناء الشرطة حالةً من الرعب إثر تنامي ظاهرة استهدافهم بعمليات القتل، أو حتى بمهاجمة منازلهم، من مسلحين يتبعون تنظيم «ولاية سيناء»، وسط تجاهل تام من القيادات الأمنية التي تكتفي، عامةً، بمطالبتهم بترحيل أسرهم إلى محافظاتهم الأم، أو بالانتقال للعيش في معسكرات قوات الأمن، في مدينة العريش، عاصمة الشمال.

ووضع «ولاية سيناء» (أنصار بيت المقدس سابقاً) منازل أمناء الشرطة ضمن دائرة الاستهداف، بغرض إجبارهم على الرحيل عن سيناء، وكحيلة إضافية لاستدراج مدرعات الشرطة وتفجير عبوات ناسفة أخرى. وقد قدّر عدد المنازل التي استُهدفت خلال المدة الماضية بنحو 11 منزلاً، تم تفجيرها بالكامل.
وفي الواقع، إنّ ضعف التسليح وتراجع الإمكانات المالية، عاملان يجعلان أمناء الشرطة الحلقة الأضعف في هيكلية وزارة الداخلية، فيجري استهدافهم باستمرار في شمال سيناء تحديداً حيث يُعتبر نشاط الجماعات المسلحة بصفة عامة، و«ولاية سيناء» بصفة خاصة، متنامياً.
وقد سبق لأمناء الشرطة أنّ نظموا بعد «ثورة 25 يناير» 2011 عدداً من الوقفات الاحتجاجية أمام مديرية الأمن، استمر بعضها لأيام، وطالبوا خلالها برفع درجة تسليحهم للتمكن من صد الهجمات المسلحة، إلى جانب رفع مطالب مالية ومادية، بينما اقتصر ردّ فعل القيادات في المحافظة على احتواء مظاهر الغضب.
قبل ذاك التاريخ، كان أمناء الشرطة التابعون لمديرية أمن محافظة شمال سيناء مندمجين كثيراً في المجتمع السيناوي، وعدد كبير منهم كان يتابع أعمالاً خاصة بعد انتهاء الدوام الرسمي في مديرية الأمن وأقسام الشرطة بهدف رفع مستوى الدخل المادي. منهم من كان يعمل سائق أجرة، ومنهم من توجه إلى صالونات الحلاقة، فيما سعى آخرون في مجال الحرف اليدوية. أما ما بعد «يناير 2011»، فتغيّرت الحال واقتصر العمل على الدوام الرئيسي في مديرية الأمن.
ويقيم معظم أمناء الشرطة داخل المناطق الشعبية والعشوائية البعيدة نسبياً عن التمركزات الأمنية وأقسام الشرطة، نظراً إلى رخص الإيجارات هناك أو حتى لسهولة شراء منزل صغير، بما يتوافق والحالة المادية الصعبة.


تم استهداف نحو 11
منزلاً وتفجيرها بالكامل
في المدة الماضية

وتتوزع معظم تلك الأحياء ضمن الحزام السكني الملتف حول العريش، ومن بينها: العبور، والسبيل، والصفا، والسمران، والكرامة، وعزبة علي، وعاطف السادات، وعزبة مليم. لكن التناقض الخطير يكمن في أنّ العيش هناك يسهّل وصول العناصر المسلحة لأمناء الشرطة المقيمين بها نظراً إلى ابتعاد تلك المناطق عن مركز المدينة.
بدأ استهداف أمناء الشرطة في شمال سيناء مع «ثورة 25 يناير»، وكان ذلك بتتبعهم وإطلاق الرصاص عليهم من مسافة بعيدة. وبعد تولي وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي (حزيران/يونيو 2014)، رئاسة البلاد، تطور الوضع حتى طاولت الاستهدافات المنازل التي يقطنونها.
وسُجل الحادث الأول في أواخر 2014، عندما فخخت مجموعة مسلحة منزل أمين شرطة يدعى، سامي الدسوقي، يسكن منطقة السبيل الواقعة عند الأطراف الغربية للعريش، وأدى الحادث إلى إصابة الدسوقي وزوجته وأحد أقاربه وابنتيه، اللتين لم يتجاوزا من العمر عشر سنوات.
عادت الأمور إلى الهدوء لمدة غير قصيرة، قبل أن تتكرر حوادث استهداف أمناء الشرطة خلال شهر أيار/مايو بتفجير منزل يقطنه عدد من أمناء الشرطة في منطقة كرم أبو نجيلة، وسط العريش (كان قد فرّ من بداخله قبل تفجير المنزل وانهياره بالكامل). أما حزيران/يونيو الماضي، فشهد أكثر حوادث استهداف منازل تابعة لأمناء الشرطة.
في ذاك الشهر، حرق مسلحون منزل أمين شرطة في منطقة العبور شرقي العريش، ثم بعد ثلاثة أيام فجرت مجموعة أخرى المنزل بالكامل، وأدى التفجير إلى إصابة سبعة أشخاص كانوا داخل المنزل الملاصق إثر سقوط حائط عليهم نتيجة الموجة الارتدادية للتفجير.
وفي بداية الشهر نفسه، فجّر مسلحون منزل أمين شرطة يدعى عبده ماهر، يقع في منطقة الصفا جنوبي العريش، ولم يؤد الحادث إلى إصابات، لكون ماهر وأسرته في إجازة. لكن في اليوم نفسه، أُحرق منزلان لأميني شرطة، يقعان في العبور. وبعد ثلاثة أيام، فجّر مسلحون منزلاً جديداً في منطقة الصفا يتبع لأمين الشرطة، هاني صقر، العامل في مباحث التموين، وأدى ذلك إلى إصابته واثنين من المدنيين.
وفي النصف الأول من رمضان الماضي، فُجِّر منزلان، يقع الأول في منطقة السمران وهو لأمين الشرطة، محمد أنس، فيما يقع الثاني في منطقة الصفا، وهو لأمين الشرطة، هاني صقر، في ثاني استهداف له. ووفق مصادر أمنية، فإن المناطق الجنوبية لمدينة العريش، التي تضم منطقتي الصفا والسمران، وكذلك المناطق الشرقية التي تضم حي العبور، توجد داخلها خلايا مسلحة نائمة، تنشط بين مدة وأخرى عبر تنفيذ عمليات تستهدف أفراد الشرطة.
ويجري استهداف أمناء الشرطة لكونهم الأيادي التي «تبطش بالمعتقلين والسجناء» خلال عمليات الدهم والاعتقالات كما في داخل السجون، إذ يوكل الضباط للأمناء تعذيب الموقوفين، في أوامر وأفعال غالباً ما سبّبت القتل وأحدثت عاهات مستديمة، وفق ما يقال.
شعور أمناء الشرطة بالخطر الذي يحيط بهم من كل جانب، داخل منازلهم أو حتى أثناء تجوالهم، فضلاً عن واقع إهمال شكاويهم، هي عوامل دفعتهم إلى مغادرة منازلهم برفقة أسرهم للإقامة في خيام نصبوها أمام مديرية أمن شمال سيناء بهدف الضغط على القيادات وإجبارها على تحقيق المطالب المتمثلة بتوفير مساكن آمنة لهم، وبتسليحهم تسليحاً حديثاً يمكّنهم من حماية أنفسهم.
في حديث إلى «الأخبار»، يقول مساعد وزير الداخلية لأمن شمال سيناء، علي العزازي، إن مديرية الأمن أخطرت جميع أمناء الشرطة بإرسال أسرهم للعيش في محافظاتهم الأم وببقاء أفراد الشرطة في العريش والمبيت خلال أيام الخدمة داخل معسكر فرق الأمن في منطقة المساعيد في المدينة. ويشير العزازي إلى أن مدة خدمة أمناء الشرطة تمتد، شهرياً، إلى أسبوعين، ويمكن كل فرد أنهى خدمته أن يسافر (خلال الإجازة المتمثلة بالأسبوعين الباقيين من الشهر) إلى محافظته.