كما في كل عام، تشهد إسرائيل كباشاً بين من يطالب بتقليص ميزانية الجيش لمصلحة الميزانية العامة، وبين الجيش الذي يطالب بزيادة موازنته لـ«رفع مستوى الجاهزية» إزاء تصاعد مستوى التهديدات واحتمال نشوب حرب. ويستخدم الطرفان المتنازعان هذه المرة تقارير وتوصيات صادرة عن لجان تشكلت على خلفية التجاذب لتحديد الموقف الواجب اتخاذه من ميزانية الجيش.

من جهة ثانية، أوصت «لجنة لوكر» الحكومية، برئاسة اللواء احتياط، يوحنان لوكر، (السكرتير السابق لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو) بتقليص معاشات التقاعد للجنود النظاميين، وبتقليل مدة الخدمة الإلزامية، وبميزانية أقل مما تطالب به المؤسسة العسكرية. في المقابل، استبقت «لجنة غدعون» التي أعدها الجيش نشر التقرير، وركزت على إعداد الجيش لمواجهة السيناريوهات التي تمثل تهديداً على إسرائيل وحدودها.

وانطلقت من أن إيران تمثل التهديد الأكبر على إسرائيل، في هذه المرحلة، إضافة إلى الأخذ بالحسبان احتمال نشوب حرب، مع ما يتطلبه ذلك من رفض تقليص الميزانية بل المطالبة بزيادتها... إلى جانب الحديث عن تقليصات بالضباط والقوات والحدات.
يأتي التجاذب الجاري امتداداً لسجالات وتجاذبات واكبت تل أبيب في العديد من محطاتها منذ إقامتها. وعادة ما تتمحور نقطة الخلاف حول نقطة التوازن التي تسمح بجاهزية ملائمة لمستوى التحديات والتهديدات مع الحفاظ على اقتصاد قوي. وهو أمر تفرضه حقيقة حاجة إسرائيل إلى جيش قوي ومتطور يتطلب إنفاقاً كبيراً، في مواجهة تصاعد قدرات الجهات المعادية لإسرائيل. لكن هذه النفقات المتزايدة تكون على حساب الميزانيات المدنية التي تعتبر من محركات النمو الاقتصادي، ما يفاقم حدة الصراع عندما لا تسمح نسبة النمو بتلبية حاجات كل القطاعات العسكرية والمدنية. ووفق تقديرات «بنك إسرائيل»، يُتوقع أن تتمحور نسبة نمو الناتج المحلي الخام، حول 3%، فيما كانت نسبة النمو في السنة الماضية، 2,8%. وهو ما يعني أن إسرائيل لا تزال بعيدة عن نسبة النمو التي كانت عليها قبل الأزمة المالية العالمية.
هذه المعطيات عادة ما تستعين بها الجهات التي تطالب بتقليص نفقات الجيش فضلاً عن مطالبتها الأخير بالقيام بتقليصات تؤدي إلى توفير نفقات لا تؤثر في جاهزية الجيش لخوض المواجهات. خاصة أن تلبية مطالب الجيش ستضع الحكومة أمام خيارات ضيقة، إما اتباع سياسة تقشف في القطاعات المدنية، و/ أو رفع نسبة العجز. وهذا بدوره له قيوده وما يترتب عليه.
في المقابل، يستند المطالبون بزيادة ميزانية الجيش، إلى تقديرات الاستخبارات حول التهديدات المحدقة بإسرائيل خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يتناول هؤلاء معقولية تحقق التهديدات المطروحة، ومستوى خطورتها لجهة حجم الأضرار التي قد تترتب عليها، وصولاً إلى كلفة الخطة المضادة التي تنطوي على خطط بناء قدرات لها كلفتها المالية.
على هذه الخلفية، ورد في خطة «غدعون» تحديد طبيعة التهديد الذي تمثله إيران التي تحتل المرتبة الأولى في سلم التهديدات، وإمكانية نشوب حرب مع «حزب الله» الذي يمثل تهديداً استراتيجياً.
بعد نحو 24 ساعة من تقديم رئيس الأركان، غادي ايزنكوت، خطة عمل الجيش، قدمت، أمس، «لجنة لوكر» توصياتها لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو. ودرست اللجنة ميزانية الجيش بعدما عيّنها رئيس الحكومة قبل نحو سنة استناداً إلى قرار المجلس الوزاري المصغر. وتضمن التقرير أكثر من 50 توصية، من بين أكثرها دراماتيكية من منظور الأجهزة الأمنية، توصياتها بإلغاء معاشات التقاعد واستبدالها بمنح، للذين يتقاعدون حتى عمر 42 سنة. في المقابل، تبقى معاشات التقاعد للذين خدموا كمقاتلين على ما هي عليه. وتقليص القوة البشرية للجيش النظامي بألفي جندي، وتقليص الخدمة الإلزامية إلى سنتين، وتحديد ميزانية الجيش بـ59 مليار شيكل لمدة خمس سنوات.
في المقابل، تتضمن خطة «غدعون»، التي قدمها الجيش، إغلاق ألوية مدرعات وكتائب مدفعية، مع استمرار الاتجاه نحو تعزيز قوة الاستخبارات وحرب السايبر وسلاح الجو، وذلك بإضافة طائرات من دون طيار. وسيجري الجيش بموجب هذه الخطة تغييرات في نوع الأسلحة والقذائف، فيجري استبدال القذائف القديمة بصواريخ ذكية. كذلك سيقلص عديد القوى البشرية في سلاح التربية والتعليم.
وإلى جانب تسريح 2500 ضابط في الخدمة الدائمة، تتجه النية وفق الخطة إلى تسريح عدد مماثل في السنوات المقبلة، في موازاة بدء عملية جعل الجيش أكثر شباباً، بمعنى خفض سن الضباط الذين يقودون كتائب وألوية. وطبقاً لضابط رفيع في الجيش، «ستقصر هذه الخطة بصورة ملموسة مدة الاستعداد للحرب. وإذا كنا حتى اليوم نحتاج مدة استعداد ما بين ساعات حتى أيام، فإننا سنقلص هذه المدة إلى ساعات معدودة، وحتى يوم واحد».
وكان لوكر قد أكد أن «اللجنة نظرت في حاجات المؤسسة الأمنية استناداً إلى حاجات الاقتصاد والدولة، ومن منطلق حاجة إسرائيل إلى قوة دفاعية قوية وعالية الجودة لسنوات طويلة. وأخذنا في الاعتبار تعزيز القدرات العملياتية والقتالية للجيش». وعبّر لوكر عن شكره لأعضاء اللجنة الذين يثمنون المهمات التي يقوم بها الجيش، على الجهود التي بذلوها خلال سنة، معبراً عن أمله في تبني توصيات اللجنة وأن تُسهم في تعزيز أمن إسرائيل.
في هذا الصدد، شكر نتنياهو «لجنة لوكر» على جهودها «لإيجاد توازن بين قضيتين كبيرتين، حاجات المؤسسة الأمنية والحاجات الاقتصادية والاجتماعية لدولة إسرائيل». أما وزير الأمن، موشيه يعلون، فانتقد بشدة تقرير اللجنة، واصفاً إياه بأنه سطحي وغير موزون ومنفصل كلياً عن الواقع الذي يحيط بدولة إسرائيل، وعن داخلها أيضاً. وحذر يعلون من أن تطبيق هذه التوصيات يعني المقامرة بأمن مواطني إسرائيل، وهو «لن يُمكِّن الجيش والمؤسسة الأمنية من مواجهة التهديدات التي تواجهها دولة إسرائيل ومواطنيها وسيمس قدرتنا على توفير الأمن لمواطني إسرائيل». وأضاف أن من يريد خوض مواجهة ناجحة كما نحن نعمل حتى الآن ضد المنظمات «الإرهابية» المسلحة بأسلحة متطورة لا يستطيع أن يسمح لنفسه ببناء جيش متوسط ومع عناصر بمستوى متوسط.