فوجئ الوسط السياسي اليمني باللقاء الذي عقد ليل أمس من دون إعلان مسبق بين كل من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ورئيس حزب «الإصلاح» (الإخوان المسلمون ــ فرع اليمن) محمد اليدومي، والأمين العام للحزب، عبد الوهاب الأنسي، وذلك برعاية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.


لقاء قيادة «الإصلاح» مع ابن زايد لا يمكن القفز عنه كحدث عادي، فهو الأول بين الجانبين منذ العدوان على اليمن، وبعد العداوة التاريخية بينهما. كذلك لا يمكن سلخ اللقاء عن الأحداث الأخيرة، ولا سيما بعد فشل الانقلاب على صنعاء وهزيمة الفصائل الجنوبية في الساحل الغربي.
يؤكد اللقاء أن الرهان كان كبيراً على الانقلاب، وأن فشله وجّه ضربة قاصمة إلى «التحالف» الذي تقوده السعودية، وأن درجة الألم الإماراتي من خسارة مشروعهم الانقلابي اضطرتهم إلى الجلوس والتفاهم مع «الإخوان». وهذا تنازل كبير، وتجاوز للمحرمات والخطوط الحمر، وكان من المحال تجاوزه قبل انقلاب صنعاء بأي ظرف، لأنه ببساطة نسف لنظرية أبو ظبي القائمة على محاربة الإسلام السياسي.


قد يغيّر دخول «الإصلاح»
ميدانياً، لكن الطريق إلى
ذلك طويلة



وبغض النظر عن وصول اللقاء، أو ما يليه من لقاءات، إلى نتائج سياسية وميدانية، وهذا أمر وارد، فإن الحركة الإماراتية أبعد من الخريطة والتضاريس السياسية الجديدة التي كشف عنها وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش. وهذا يثبت من جديد أن دول الخليج لا تسير وفق رؤية استراتيجية شاملة بعيدة المدى لليمن، وأن إدارة الحرب تجري وفق اليوميات الميدانية والسياسية وتحت الضغط جراء العجز عن تحقيق الإنجازات. وكان قرقاش قد قال منذ أيام إن «اليمن مقدم على خريطة وتضاريس سياسية جديدة. عنوان المرحلة يجب أن يكون توحيد الصف ضد الحوثي».
في غضون ذلك، يأتي إلزام السعودية حلفاءها المتناقضين في الفكر والرؤى السياسية بالتفاهم كعمل شاق بحدّ ذاته، وهو من دون شك تسليم من الرياض بعقم خياراتها السابقة في اليمن. رغم ذلك، هي مصرة على الاستمرار بالحرب بأي حال، وأياً كانت التحالفات، فإن قناعة سعودية قديمة ومتجددة، بأنه لا بد من شريك يمني قوي داخل البلاد، ازدادت بعد فقدان ورقة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
هذا الشريك الآن هو «الإصلاح» رغم استمرار دعم السعودية للألوية العسكرية المحسوبة عليه أو بشراكته مع نائب الرئيس المستقيل، علي محسن الأحمر، لكن لا بد من إزالة أهم العوائق أي تطويع الطرفين (الإمارات و«الإصلاح») والتفاهم بينهما في محاولة لتقريب المسافة والعمل على إنتاج ثقة جديدة، وإلا ما استدعي رئيس حزب «الإصلاح» الذي كان في تركيا بمعية الرئيس اليمني المستقيل، عبد ربه منصور هادي، على عجل، إذ عاد إلى الرياض على متن طائرة خاصة لعقد هذا اللقاء.
وما لم يفصح عنه الجانبان أعلنه رجل الإمارات الأول في جنوب اليمن، الوزير السابق هاني بن بريك، الذي اتهم في تغريدة أمس حزب «الإصلاح» بعرقلة الحسم: «في نظرنا إن حزب التجمع اليمني للإصلاح ــ فرع الإخوان المسلمين في اليمن هو أعظم معطل للحسم»، معتبراً أن اللقاء خطوة في الاتجاه الصحيح: «عندما تعرف مكان الخلل فالتوجه له متعيّن، توجه لمعالجة تأخر الحسم في المناطق التي بيد الحوثي».
وقد علم من مصادر مطلعة أن فريق ابن سلمان أقنعه بأن لا إمكانية للنصر على «أنصار الله» من دون استعادة صنعاء، وهذا يحتاج إلى فتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه، كذلك لا يمكن الوصول إلى العاصمة من دون استعادة تعز والحديدة ومأرب. ولما فشلت الفصائل الجنوبية في تحقيق أي إنجاز في الساحل الغربي، كان لا بد من الاتجاه نحو «الإصلاح»، وهو الخيار الأخير في الخيارات المتاحة لما بعد انقلاب صنعاء، ولا سيما أن للحزب نفوذاً قوياً في تعز ومأرب، لكنه يحتفظ بقواته وقدراته من دون أن يستنزفها حتى الآن.
الجدير بالذكر أن السعودية والإمارات تدرج حزب «الإصلاح» على لوائح الإرهاب، وتتصرف الأخيرة معه كعدو وتشن عليه حرباً أمنية وسياسية وإعلامية، وتعمل على إقصائه من اليمن جذرياً. ونفذت أذرعها في جنوب اليمن عمليات منهجية للحد من نشاطه، كذلك تعمد إلى اعتقال الشخصيات الميدانية والقيادية وإحراق المقارّ التابعة له في الجنوب. وتُتهم الأذرع المحلية المحسوبة على أبو ظبي بتنفيذ عمليات اغتيال أئمة المساجد والدعاة التابعين لـ«الإخوان» في الجنوب، ولا سيما عدن.
كذلك رفضت الإمارات في السنة الماضية الاشتراك في أي عملية عسكرية على مدينة تعز بوجود حزب «الإصلاح»، ما أوقف العملية نهائياً بسبب الوجود القوي للحزب وأذرعه العسكرية في تلك المحافظة. وقد أثرت الأزمة الخليجية بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين على الحزب، إذ بقي رسمياً على تأييده العلني للسعودية والعدوان على اليمن من دون مهاجمة قطر، فيما كانت قياداته تنخرط في مواجهة الحملة الإماراتية والرد عليها، وتتبنى بصورة قاطعة الموقف القطري المنسجم مع رؤية «الإخوان».
لكن الإمارات، رغم تأييد حزب «الإصلاح» عملية «عاصفة الحزم»، ترى موقف الحزب نوعاً من النفاق والتفلت من الضغوط الخليجية (السعودية بالتحديد)، وتتهمه بأنه يقيم علاقات قوية مع صنعاء خصوصاً «أنصار الله»، وتدلّ على ذلك بأن جبهة مأرب التي يديرها «الإصلاح» متوقفة تماماً.