على الرغم من احتفاظ تنظيم «داعش» بوجود عسكري في بادية الشرق السوري وعلى الحدود العراقية جنوبي الحسكة، فإن جميع اللاعبين، في الميدانين العسكري والسياسي السوري، باتوا يرتّبون أوراقهم للتحديات التي تلي انتهاء «الحرب ضد داعش». وبينما أعلنت موسكو انتصارها على التنظيم وبدأت سحب جزء من قواتها البرية والجوية العاملة في سوريا، تصرّ واشنطن على أن «داعش» ما زال «يشكّل تهديداً»، بما يفرض استمرار «التزام التحالف الدولي» بالعمل مع شركائه للقضاء عليه.


النظرة الأميركية تجسدت عبر تصريحات متعددة من مسؤوليها العسكريين. وحضرت بشكل «ساخر» أمس، في تغريدة للمتحدث باسم «التحالف» ريان ديلون، قال فيها تعليقاً على خبر هجمات «داعش» جنوبي دمشق، إن «النظام السوري غير راغب، أو غير قادر، على احتواء التهديد (داعش) بنفسه». وبالتوازي مع السجال المتواصل في هذا الشأن، تبدو محافظة إدلب ومحيطها محطّ أنظار الجميع، لا سيما مع تواصل الاشتباكات في ريفي حماة وحلب، والوجود التركي في «نقاط المراقبة» داخل منطقة «تخفيف التصعيد». ومع فشل جولة محادثات جنيف الأخيرة، واقتراب موعد اجتماعات أستانا (المقررة في 21 الشهر الجاري)، تعود أنقرة لتشهد حراكاً ديبلوماسياً وعسكرياً رفيع المستوى.


بورودافكين: على
الأميركيين حزم حقائبهم والرحيل عن سوريا

وحل خلال اليومين الماضيين أبرز القادة العسكريين الفاعلين في ملف سوريا والمنطقة، ضيوفاً على أنقرة، إذ وصل رئيس الأركان الروسي، فاليري غيراسيموف، في زيارة غير معلنة مسبقاً، إلى العاصمة التركية، حيث التقى نظيره التركي خلوصي أكار. وبقيت تفاصيل الزيارة بعيداً عن الإعلام، فيما اكتفت رئاسة الأركان التركية بنشر صورة عن اللقاء. والملفت أن هذه الزيارة أتت بعد يوم واحد من استقبال أكار لكل من نظيره العراقي عثمان الغانمي، وقائد القوات الأميركية في أوروبا كوتيس سكاباروتي، وقائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي جوزيف فوتيل. وناقش المجتمعون حينها، وفق بيان صادر عن رئاسة الأركان التركية، الأوضاع الأمنية في المنطقة، وعلى رأسها سوريا والعراق، إلى جانب «التدابير اللازمة لمكافحة المنظمات الإرهابية». ومع الأخذ بالاعتبار الاستخدام التركي لمصطلح المنظمات الإرهابية، فإن من غير الممكن فصل هذا النشاط عن سيل التهديدات التركية بإطلاق عملية عسكرية في عفرين.
وبالتوازي، يتابع الجيش السوري وحلفاؤه عملياتهم على أطراف منطقة «تخفيف التصعيد» في إدلب ومحيطها، في تكريس لما أعلنته دمشق عن أولوية «مكافحة الإرهاب» خلال نقاش ملفات «التسوية السياسية». ولم ينعكس إعلان السحب الجزئي للقوات الروسية على سير المعارك في تلك الجبهة، إذ بقي سلاح الجو الروسي حاضراً لدعم تقدم القوات البرية العاملة ضد «هيئة تحرير الشام»، وعدد من الفصائل التي تحارب إلى جانبها. وترافق التحرك الروسي الميداني مع تصريحات من الممثل الدائم لروسيا لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، أليكسي بورودافكين، قال فيها إن «جيشنا سيبقى في حميميم وطرطوس، وسوف نساعد الشركاء السوريين في مكافحة الإرهاب الدولي، وخصوصاً جبهة النصرة التي لا تزال ناشطة في سوريا». وينتظر ما ستحمله الأيام القليلة التي تسبق انطلاق جولة محادثات أستانا المقبلة، في ضوء التفاهمات التي توصلت إليها «هيئة تحرير الشام» مع عدد من الفصائل البارزة في مناطق إدلب وحلب، والتي قد تتبلور في «غرفة عمليات مشتركة»، تدفع بالوضع الميداني نحو مزيد من التصعيد.
أما موسكو، فهي تعمل بجد على تحضيرات مؤتمر «الحوار الوطني» في سوتشي، رغم غموض الموعد المرتقب لعقده، والذي ستسبقه ــ على الأرجح ــ جولة جديدة من محادثات جنيف في كانون الأول من العام المقبل. وفي السياق، رأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن التطورات التي جرت في «الحرب ضد الإرهاب»، من شأنها «تشكيل أرضية مناسبة» للانتقال إلى مرحلة «التسوية السياسية» وفق قرار مجلس الأمن 2254. ولفت إلى أهمية مؤتمر «الحوار الوطني» للنقاش في قضيتي الدستور والانتخابات والملف الإنساني، إلى جانب البحث في آليات إعادة الإعمار. بدوره، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، إن أسباب وجود القوات الأميركية في سوريا «قد انتفت» مع هزيمة «داعش». ورأى بورودافكين أن هذا الوجود «يثير المخاوف... لذلك نطالب الأميركيين بحزم حقائبهم والرحيل». وذكر أن هناك «تفاهماً استراتيجياً» بين روسيا والولايات المتحدة بشأن القضية السورية، وهو ما ينعكس في البيان المشترك لرئيسي البلدين في فيتنام. وأضاف أن المعارضة يجب أن تتخلى عن مطالبتها باستقالة الرئيس السوري بشار الأسد، موضحاً أن «من الضروري أن تشير المعارضة بوضوح في وثائقها، إلى أنها لا ترى حلاً عسكرياً للنزاع».
(الأخبار)