القدس المحتلة | الخامسة مساءً بتوقيت القدس، تصدح حناجر الشباب: «من الحدود للحدود، كل شبر فيكي لَيعود»، ثم يعلو الصوت أكثر فأكثر: «وحدة وحدة وطنية كل القدس عربية». هكذا يبدو المشهد هنا في باب العمود في مساءات هذه الأيام. لكنه لا يبقى على حاله طويلاً، إذ فجأة يخرج الشباب أعلام فلسطين التي تستنفر الشرطة الإسرائيلية. يقرر المقدسيون دائماً إبراز ما يوحدهم ويؤكد عروبة مدينتهم، وهم يحلمون بأن يعمّ الامتداد الزماني والمكاني للعرب والمسلمين في المدينة. هكذا ينظر هؤلاء إلى علم فلسطين يجتمع في مكان واحد مع بوابة القدس وسورها العثماني، كأنه ليس لإسرائيل شيء هنا.


في هذه اللحظة، يحتشد الجند، وتظهر ملامح العبوس على وجوهم كأنها سكين يمكنها قطع أي شيء. تتبادل رؤوسهم الالتفات على المتظاهرين الذين يحملون علم بلادهم، ومن جهة أخرى، يتطلع الجنود إلى قائدهم الأعلى رتبة، الذي بأمره يتحركون ويمارسون «هواية» قمع المقدسيين تارة أخرى. تعطى الأوامر بأن نكِّسوا هذا العلم اللعين، وإذا استطعتم مزقوه، دوسوه... المهم ألّا تُبقوه مرفوعاً.
هكذا تبدأ معركة إسقاط العلم الفلسطيني، فيهجم أحد جنود العدو لينتزع العلم من يد من يرفعه، فيسقط يده الكبيرة والثقيلة على العلم، محاولاً بكل قوته تجريده من صاحبه، لكنه يُفاجأ بأنها عملية ليست سهلة، وأن تدريباته العسكرية التي تلقاها لم يكن فيها أي فصل عن كيفية انتزاع العلم. إذ يبذل الشباب كل طاقتهم في سبيل المحافظة على ما صار رمزاً... للبيت والأرض والقدس.
ينضم جندي آخر إلى معركة انتزاع العلم، ليعين صديقه على الانتصار في المعركة، ثم يتكاثر الجنود، فيشكلون كتلة كبيرة محيطة بفلسطيني واحد. مشهد هذه الكتلة البشرية الهجينة من عدة جنسيات مرعب، إذ لا تُرى إلا أسلحة منتشرة على ظهور الجنود وأرجلهم. أما أيديهم وأرجلهم، فاجتمعت على الفلسطيني الذي تهالكت قواه وارتمى أرضاً، والتصق بها حتى داسته بساطير الجنود الموزعة على رأسه وظهره وأقدامه.
وبينما يجتمع جسد الشاب مع أرض القدس، يكبّل الجنود يديه خلف ظهره، ثم ينزعون العلم منه ويقتادونه إلى مركز التحقيق، ثم إلى الزنازين. مع ذلك، يحاول المتظاهرون العزل تخليصه من أيدي الجنود، لكن الحلقات العسكرية التي تلتف حوله وتتوسع شيئاً فشيئاً تمنعهم من ذلك. في هذه اللحظة، يرفرف علم فلسطيني آخر من جديد، وتعاد الكرة، وتزداد الاعتقالات... إلى أن تطاول المتظاهرين.


تحوّلت مسيرة
باب العمود إلى
حالة يومية لدى
أهل القدس

بجانب باب العمود، الذي تحوّل إلى أهم الباحات رمزية في التظاهرات، ثمة شارع السلطان سليمان الذي يحدّه من الشمال. وهناك، لا يقتصر تفريق المتظاهرين على قمعهم وتهديدهم بالاعتقال، إذ تدخل فرقة الخيالة التابعة لشرطة الاحتلال: خيول سود ذات عضلات بارزة بطول لا يقل عن مترين ونصف متر، إذا اقتربت منك تشعر كأنها لم تعد تلك الحيوانات اللطيفة التي تُربى ويألفها الإنسان، فهي تتربص بالمتظاهرين وتحقد عليهم حقداً ربما كان يعادل حقد الإسرائيليين، وهي لا ترعبهم وتهاجمهم فقط، بل تغرقهم بفضلاتها، ربما لتزيد ألمهم النفسي.
كل ما سبق صار مشهداً يومياً في المدينة المحتلة، منذ اعتلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منصته وألقى خطابه الذي قال فيه: «حان الوقت لأن نتعرف بالقدس عاصمة لإسرائيل»، في السادس من كانون الأول الجاري، لتنتفض من بعدها شوارع القدس، خاصة في الجمعة الأولى بعد إعلان ترامب.
وليوم الجمعة قصته في القدس، إذ يجتمع الفلسطينيون القادمون من مدن الضفة والداخل والقدس نفسها، بعد فراغهم من صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وتبدأ هتافاتهم لتسيطر على ساحات المسجد، ثم يقررون أن ينطلقوا في مسيرة باتجاه باب العمود. سيل بشري يكاد يجرف كل ما يعترض طريقه، بخطى موحدة تجدهم متراصين حتى باب الناظر، أحد أبواب الأقصى، لكن أمام هذا المشهد ثمة جند كثيرون، مع ذلك، ينكمشون على أنفسهم ويتشرذمون في زاوية الباب ولا يحاولون اعتراض المتظاهرين.
من حالفه الحظ وكان في مقدمة المسيرة شعر كأنه ذو قوة خارقة، فآلاف الفلسطينيين والمسلمين من جنسيات أخرى كانوا يسيرون وراءه، ما يدفعه ألّا ينهزم أمام الحاجز العسكري وعشرات الجنود الذين أغلقوا طريق الواد الواصلة بين باب العمود والأقصى، ليقرر بذلك اختراق الحاجز مهما كلّف الثمن.
في المقابل، يتراص جنود الاحتلال أكثر وأكثر كلما اقتربت المسيرة، ومن يشاهد وقفتهم يعتقد أن نملة لا تستطيع اختراقهم، لكن سرعان ما يتهاوى هذا الظن، عندما تصير المسافة صفراً بينهم وبين المتظاهرين. هنا يبدأ العراك الذي لا يثني المتظاهرين عن الوصول إلى باب العمود، ليبدأ سيناريو الاحتشاد والهتاف والاعتقال والقمع المجنون... في مشهد مقدسي يومي، الاختلاف الوحيد فيه أن كل يوم ثمة معتقلين آخرين يستبدلون مكان من خرجوا في الأمس، فيما يزيد الاحتلال عدد جنوده وحواجزه بقدر ما يستطيع.