شكّلت الجولة الماضية من محادثات جنيف محطة جديدة من محطات الفشل المتراكم على مسار «التسوية السياسية» في سوريا، ووصلت إلى طريق مسدود، حوّل الأنظار إلى مؤتمر «الحوار الوطني» المرتقب في سوتشي. ولم ينجح التنسيق الروسي ــ الأميركي المتنامي في فرض تفاهمات شاملة على الطرفين السوريين الحكومي والمعارض ــ حتى الآن ــ تدفع المحادثات إلى مرحلة جديدة مباشرة، تناقش قضايا الدستور والانتخابات.


وفي كواليس «جنيف»، برز اجتماع لعدد من الدبلوماسيين الغربيين، بدعوة من فرنسا، لنقاش مبادرتها المستمرة لإنشاء «مجموعة اتصال» تدعم مسار الحل المغطى من الأمم المتحدة. المبادرة الفرنسية التي تأتي مشابهة لمحاولات سابقة، لكسر الاحتكار الروسي ــ الأميركي في رعاية الحل السياسي السوري، بدت أمس خلال حديث الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، خلال مقابلة عبر قناة «فرانس 2»، أنها تطمح إلى جمع الأطراف السورية، كلها، مجدداً في مطلع العام المقبل. وتتسق رؤية باريس مع المتغيرات التي أحاطت بجولة «جنيف» الماضية، وأبرزها الضغوط على الوفد المعارض لتحييد فكرة «رحيل (الرئيس بشار) الأسد» عن السلطة. إذ قال ماكرون أمس، إن «بشار الأسد عدو الشعب السوري، وأنا عدوي داعش. الأولوية هي إنهاء تطرف داعش، قبل بشار الأسد»، مشيراً إلى أنه «في العملية (السياسية) التي تريد فرنسا أن تنطلق مطلع العام المقبل، سيكون هناك ممثلون عن بشار، لكني آمل أيضاً أن يكون هناك ممثلون عن جميع المعارضات». وحول رأيه عن مصير الرئيس السوري، أوضح أنه بعد هزيمة «داعش»: «سيكون بشار الأسد موجوداً... سيكون هناك لأنه محميّ من الذين فازوا بالحرب على الأرض، سواء إيران أو روسيا»، مضيفاً القول: «لذلك يجب أن نتحدث إلى بشار وممثليه... لكن سيتعيّن عليه الرد على جرائمه أمام شعبه، وأمام العدالة الدولية». وقال إن «خطة فرنسا هي بناء حل سياسي يسمح بسلام دائم، بما يضمن حماية جميع الأقليات، إلى جانب المسيحيين والشيعة والسنّة».


هدد أردوغان بـ«تطهير» عدد من مناطق الشمال السوري


الحديث الفرنسي المستجد جاء في وقت عادت فيه أخبار الميدان إلى تصدر واجهة المشهد. وتوجهت الأنظار إلى ريف حماة الشمالي، الذي يشهد عمليات عسكرية منسقة مع محاور ريف حلب الجنوبي الشرقي. فمع اقتراب الجيش من استعادة السيطرة على قرية أبو دالي، في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، ووصوله إلى أطراف الرهجان، حاولت الفصائل المسلحة إشغاله في محور قتال جديد، شمالي بلدتي حلفايا ومحردة. وبدأ فصيل «جيش العز» الذي يعمل في ريف حماة الشمالي، بالتعاون مع «جيش النصر» و«جيش الأحرار» و«الحزب الإسلامي التركستاني»، أمس، هجوماً على منطقة الزلاقيات، الواقعة على بعد أقل من كيلومترين، شمالي حلفايا.
وخلال ساعات من بدء الهجوم، وبدعم من سلاح الجو، تمكن الجيش من احتوائه وتثبيت السيطرة على كامل النقاط التي طاولتها الهجمات الأولى. وترافقت الاشتباكات بتكثيف سلاح الجو غاراته على بلدات اللطامنة وكفرزيتا في ريف حماة الشمالي، وعلى خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي. وأفادت مصادر عسكرية عن مقتل القائد السابق لـ«جيش المهاجرين والأنصار» صلاح الدين الشيشاني، خلال المعارك على محور الزلاقيات. ويأتي الهجوم ليُدخل فصائل، سَبق لها أن وافقت على اتفاق وقف إطلاق النار المتضمن في وثيقة «منطقة تخفيف التصعيد» المقرّة في أستانا، إلى المعركة بجانب «هيئة تحرير الشام». كما أنه تزامن مع ما نقلته مصادر معارضة عن انشقاق قادة «هيئة تحرير الشام» في «قاطع البادية الشرقية» (يضم أجزاء من أرياف حلب وإدلب وحماة) وعودتهم إلى «بيعة» تنظيم «القاعدة» الأولى، من دون أن يخرج أي تعليق رسمي من جانب «تحرير الشام» حول هذه النقطة. في المقابل، تابع الجيش عملياته العسكرية على محاور أخرى ضمن ريفي حماة وإدلب، حيث اقترب من السيطرة على بلدات الرهجان والشاكوسية وأم ميال في ريف حماة الشرقي، وتقدم نحو قرية أبو دالي في ريف إدلب، انطلاقاً من محيط تل خنزير وبليل والطليسية. وفي الوقت نفسه، يتوسع تنظيم «داعش» شمالاً على حساب «هيئة تحرير الشام»، باتجاه منطقة حوايس، المحصورة بين الرهجان وأبو دالي.
على محور آخر، في أقصى ريف دمشق الجنوبي الغربي، اقترب الجيش أكثر من تقسيم منطقة سيطرة المسلحين المحاصرين في عدد من قرى الغوطة الغربية وسفح جبل الشيخ، إلى جيبين محاصرين. وذلك بعد سيطرته وحلفائه، أمس، على تل الظهر الأسود ومزارع النجار، في محيط مغر المير. وبدأت الوحدات بتنظيف المنطقة من العبوات الناسفة والألغام، تمهيداً لتثبيت مواقع جديدة فيها، تعزل بيت جن ومحيطها عن بلدتي بيت سابر وكفر حور. في موازاة ذلك، أعلن الجيش ضبط نفق حفرته الفصائل المسلحة في الغوطة الشرقية، بطول نحو 300 متر وعمق 8 أمتار، حيث كانت تحاول عبره استهداف النقاط العسكرية في محيط سجن النساء في منطقة تل كردي، إلى الشمال الشرقي من دوما في ريف دمشق.
على صعيد آخر، وبالتزامن مع التطورات التي تشهدها «منطقة تخفيف التصعيد» في إدلب ومحيطها، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده عازمة على «تطهير» مناطق «عفرين ومنبج وتل أبيض ورأس العين والقامشلي... من الإرهابيين». التصريحات التركية، غير الجديدة، جاءت ربطاً بموقف هجومي تجاه واشنطن وقرارها الأخير بشأن القدس. ويتضح توجه تلك «التهديدات» تجاه عدد من المناطق الحدودية في الشمال السوري، والتي يشهد بعضها وجوداً عسكرياً أميركياً، عبر تأكيد أردوغان أن تركيا ستحول دون تحقق أهداف «الإرهابيين... الذين سلّحتهم وحرّضتهم أطراف تدّعي أنها حليفة».
(الأخبار)