الرباط | منذ أكثر من خمسين يوماً، يُنتظر إعلان رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني للتعديل الحكومي، الذي كلّفه إياه الملك محمد السادس، بعد أن قرّر الأخير إعفاء ثلاثة وزراء وكاتب دولة، على خلفية تقرير أثبت مسؤوليتهم عن «تعثّر» مشاريع عدّة في منطقة الريف، شمال المملكة.


وتضمّن الإعفاء الملكي كُلّاً من وزير «التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي» محمد حصاد، وكاتبه العربي بن الشيخ، ووزير «إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة» محمد نبيل بن عبدالله، ووزير الصحة الحسين الوردي. وبالرغم من إعلان «الديوان الملكي» قرارَ إعفاء الوزراء في تشرين الأوّل الماضي، إلا أن رئيس الحكومة لم يعلن بعد أسماء الوزراء الجدد المقترحين للحقائب الشاغرة، وسط أنباء عن «تعديل حكومي موسّع» قد يعيد أحزاباً إلى صف المعارضة، ويُلحق أخرى بائتلاف الأغلبية.
وأمام هذه الأنباء المتضاربة، يضرب العثماني، جدار الصمت المطبق إزاء تبرير تأخر التعديل «المرتقب»، باستثناء التصريح المقتضب الذي أدلى به المتحدث الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، الأسبوع الماضي، الذي نفى فيه «وجود أي تعثر يخصّ التعديل المرتقب». وعن سبب تأخر إعلانه، نفى في حديثه إلى «الأخبار»، أي «انسداد في عملية المشاورات المرتبطة بملء المناصب الشاغرة»، موضحاً أن العملية «تجري وفق ما جاء به بلاغ الديوان الملكي»، الذي دعا رئيس الحكومة إلى «رفع اقتراحات لتعيين مسؤولين جدد في المناصب الشاغرة». وقال إن «المشاورات الحالية تنحصر في الحزبين المعنيين (حزب «التقدّم والاشتراكية» وحزب «الحركة الشعبية» المشاركين في الحكومة)، ضمن إطار مؤسساتي وقانوني»، مشيراً إلى أن ذلك «سيجري في ضوء الإطار الدستوري المنظم لهذه العملية»، من دون أن يحدد تاريخاً لذلك.
وقال مصدر حزبي مسؤول، ومقرّبٌ من ملف المشاورات، إن رئيس الحكومة يواصل مشاوراته منذ قرابة ثلاثة أسابيع، مع مسؤولي حزبي «التقدّم والاشتراكية»، و«الحركة الشعبية»، المعنيين بقرارات الإعفاء، إذ أُعفيَ شخصان من كل حزب. وعن سبب التأخر في الإعلان، لفت في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن السبب يعود لمطالبة مكوّنٍ حزبي في الحكومة بإجراء تعديل شامل، هو رئيس حزب «التجمع الوطني للأحرار» عزيز أخنوش، الذي أدلى بتصريحات في الأسبوع الماضي بطنجة، يؤكّد فيها أن حزبه «يرغب في تسيير قطاعي الصحة والتعليم»، اللذين يسيرهما حزبا «التقدّم والاشتراكية» و«الحركة الشعبية».
وبالنسبة إلى سيناريوهات التعديل الحكومي، وفق أستاذ العلوم السياسية مصطفى السحيمي، فإنها لا تخرج عن 3 احتمالات ممكنة.
1- نجاح رئيس الحكومة في ترميم المناصب الوزارية الشاغرة، باقتراح تعيين وزيرين عن كل حزب («التقدّم والاشتراكية» و«الحركة الشعبية»)، وهذا في حالة ما لم يعلن حزب «التقدّم والاشتراكية» خروجه إلى المعارضة.
2- خروج حزبي «التقدّم والاشتراكية» و«الحركة الشعبية» إلى المعارضة، باعتبار أن الإعفاءات تشير إلى «عقاب» من أعلى سلطة في البلاد، لعدم تنفيذ مشروع ملكي حيوي (مشروع الحسيمة منارة المتوسط)، كان سيفضي بالبلاد إلى أتون احتقان اجتماعي لم ينطفئ بعد، وفي هذه الحالة يكون حزب «الاستقلال» الأقرب إلى ولوج الحكومة بخمس حقائب.
3- يتمثّل في مغادرة «التقدّم والاشتراكية» الحكومة، وبقاء «الحركة الشعبية»، وفي هذه الحالة قد لا يتطلب الأمر دخول «الاستقلال»، باعتبار أن حقيبتي «التقدّم والاشتراكية» يمكن أن يشغلهما أحد الأحزاب الأخرى المشاركة في الحكومة مثل «الأحرار»، أو «الاتحاد الاشتراكي»، أو «الاتحاد الدستوري»، أو «العدالة والتنمية»، وهي الوضعية نفسها المترتبة على قرار «الحركة الشعبية»؛ كالخروج إلى المعارضة بمفردها، على الرغم من أنه احتمال مستبعد، وفق المحلل.
وإزاء هذه السيناريوهات، يربط كثير من المراقبين للشأن السياسي في المغرب، خروج حزب «التقدّم والاشتراكية» من الحكومة، إلى «غضب» الدوائر العليا للقرار في البلاد من زعيم الحزب محمد نبيل بنعبدالله. وهو ما ظهر بوضوح في بيانٍ للديوان الملكي، صدر في أيلول من العام الماضي، انتقد فيه بشدة تصريحات منسوبة إلى بنعبدالله حول مؤسس حزب «الأصالة والمعاصرة»، فؤاد عالي الهمة، الذي صار مستشاراً للملك وصديقه المقرّب.