تونس ــ الأخبار

بعد فترة استقرار نسبيّ، تعيش تونس هذا الأسبوع على وقع تطورات متسارعة قد تقود إلى إعادة ترتيب المشهد السياسيّ. تأجلت الانتخابات البلديّة مرة ثانية بطلب من الأحزاب، ولم ينجح أيّ من الأحزاب الحاكمة في الفوز بالانتخابات البرلمانيّة الجزئيّة حول مقعد ألمانيا، وتشقّق التحالف الحكوميّ بانسحاب حزب «آفاق تونس» منه.

لا يستكمل البناء الديموقراطيّ إلا بإجراء انتخابات بلديّة. نظريّاً، يتفق الجميع في تونس حول ذلك. أما عمليّاً، فيعرف الجميع أيضاً أن جلّ الأحزاب غير مستعدة لها. تأجل تاريخ إجراء الانتخابات مرة أولى من 17 ديسمبر/ كانون الأول الحالي إلى 25 مارس/ آذار القادم، وتأجّل مرة أخرى ليصبح في 6 ماي/ أيار من السنة نفسها. مبررات التأجيل متشابهة: عدم إقرار البرلمان لمجلة الجماعات المحليّة الجديدة، المعوقات اللوجستيّة، وعدم استكمال استعدادات هيئة الانتخابات كما يجب.
لكن، كما يُستشف من واقع الأمور، ليست تلك المبررات سوى هروب إلى الأمام من حقائق تعكسها استبيانات الآراء الكثيرة: انعدام ثقة الناخبين بالأحزاب، وعزوف متوقع عن الانتخاب قد يبلغ مستوى يُفقد العمل السياسيّ معناه، وإمكانيّة صعود قوى جديدة من خارج منظومة «التوافق السياسيّ» أو حتى استئثار حزب من أحزابها بأغلبيّة الأصوات، ما قد يهدد التوازن المؤسس لوجودها.

تأكدت هذه الظنون خلال الانتخابات الجزئيّة حول مقعد «ألمانيا» في البرلمان. لوضع الحدث في سياقه، يجب فهم هذه الانتخابات بوصفها «بالون اختبار» سياسيّاً، إذ إنّ أسباب تنظيمها هو شغور المقعد البرلمانيّ بعد تولي نائب دائرة ألمانيا منصب كاتب دولة في حكومة يوسف الشاهد. يعني ذلك، إذا ما أضفنا معطى دعم «حركة النهضة» لمرشح حليفها «نداء تونس»، فإن منظومة الحكم القائمة أساساً على التوافق بين الحزبين تقصّدت إفراغ المقعد للقيام بتجربة تحالف جزئيّ قد تكون مقدمة لتحالف أعمق خلال الانتخابات البلديّة.
لم تكذب استبيانات الآراء. لم يشارك في الانتخابات أكثر من 1326 مقترعاً، وهو ما يمثّل «5.02%» من جملة الناخبين المسجلين في الدائرة. لم يفز مرشح «نداء تونس» المدعوم من طرف «حركة النهضة»، بل فاز ياسين العياري، وهو مرشح مستقل مدعوم من طرف حزب «حراك تونس الإرادة» الذي يتزعمه الرئيس السابق منصف المرزوقي. يأتي العياري من خارج منظومة الحكم، وهو لا يتبنى أيديولوجيا سياسيّة واضحة، بل يقوم طرحه على خلطة من الأفكار المعارضة للنظام السياسيّ برمته والتي تخرج في أحيان كثيرة على ما يوصف بـ«اللياقة السياسيّة».
أوضحت الانتخابات الجزئيّة في «ألمانيا» أيضاً لأول مرة الضرر الذي تعرض له حزب «نداء تونس» بعد موجة الانشقاقات التي شهدها عقب فوزه بانتخابات 2014. خسر «نداء تونس» أصواتاً ذهبت إلى قائمات الأحزاب المتفرعة عنه، وهي قائمة «حركة مشروع تونس» التي يتحمل أمانتها العامة محسن مرزوق، والقائمة المدعومة من «حزب المستقبل» الذي يتزعمه الطاهر بن حسين، وكلاهما قياديان سابقان في «النداء».
لم تتوقف خيبة التحالف الحكوميّ عند هذا الحد، حيث تعززت بانسحاب حزب «آفاق تونس». في مجلسه الوطنيّ، قرر الحزب نهاية الأسبوع الماضي «القطع مع المنظومة السياسيّة الحاليّة المنبثقة عن وثيقة قرطاج». وتمثّل وثيقة قرطاج، التي اقترحها الرئيس الباجي قائد السبسي منتصف العام الماضي ووقعتها أحزاب ومنظمات وطنيّة، الأرضيّة السياسيّة لـ«حكومة الوحدة الوطنيّة» التي يترأسها يوسف الشاهد.
جاء انسحاب «آفاق تونس» بعد تقدير قيادته أنّ الوثيقة المؤسسة انحرفت عن غاياتها وأفرغت من معناها، ما جعلها تؤسس لـ«توافق مغشوش لا يخدم المصلحة العليا للوطن». كما اعتبر الحزب الليبراليّ التوجّه أنّ قانون الماليّة لسنة 2018، الذي صادق عليه البرلمان أخيراً، يفتقر «الى الشجاعة المطلوبة وإلى رؤية اقتصاديّة واجتماعيّة تستجيب لطموحات التونسيّات والتونسيّين».
رغم الانسحاب الرسميّ، رفض رئيس الحكومة استقالة ممثلي الحزب من الحكومة، في تكرار لما حصل سابقاً مع «الحزب الجمهوريّ» الذي انسحب وواصل ممثّله في الحكومة عمله بصفته الشخصيّة. لكن، مهما كانت درجة تأثير الانسحاب، يبقى الأمر واحداً من بين أعراض كثيرة لأزمة نظام حكم يخسر يوماً بعد يوم حزامه السياسيّ والشعبيّ، ويفشل في الموازنة بين المطالب الشعبيّة والالتزامات مع المقرضين الدوليّين، ويرتهن استكمال البناء الديموقراطيّ لرغباته في احتكار التمثيل الانتخابيّ.