لا يزال «إقليم كردستان» رهينة تداعيات إجرائه استفتاء الانفصال عن العراق، في أيلول الماضي. «عناد» زعيم «الحزب الديموقراطي الكردستاني» مسعود البرزاني، ومضيّه قدماً في إجراء الاستفتاء، بالرغم من التحذيرات بتأجيل الفكرة والدخول في حوارٍ مباشرٍ مع حكومة حيدر العبادي، وإصراره لاحقاً على التمسّك بنتائجه، دفعت الأخير إلى إعادة نشر القوات الاتحادية في معظم المناطق المتنازع عليها، في خطوةٍ بدت كـ«تحذير» عراقي، وحزمٍ تجاه أي خطوةٍ انفصالية ــ لأي طرفٍ أو مكوّن ــ في «مرحلة ما بعد داعش».


خطوة العبادي باستعادة كركوك وغيرها من المدن الشمالية، في تشرين الأوّل الماضي، نقلت البرزاني من مصاف «محقّق الحلم الكردي» إلى «قائدٍ ضعيفٍ لا حول له ولا قوّة»، بتعبير دبلوماسي غربي، في حديثه إلى «الأخبار»، والذي يربط بين تظاهرات أمس، وما آلت إليه الأمور من «تعدّياتٍ على حرية الإعلام» من جهة، وبين «الانتحار السياسي»، حينما أعلن البرزاني نيته لإجراء استفتاء الانفصال، في الربيع الماضي.
الدبلوماسي يرسم «سيناريو» مغايراً للمشهد الكردي؛ يبدأ بتقبّل بغداد نتيجة الاستفتاء وتعاملها معه باعتباره أمراً واقعاً، واكتفائها بخطابٍ سياسي عالي النبرة، فارغ من أيّ خطواتٍ عملية، فإن الالتفاف الشعبي حول البرزاني سيكون «هائلاً»، بوصفه «محقّق الحلم بإقامة الدولة الكردية»، وإن تطلّب ذلك بعض الإجراءات العقابية من بغداد (كالحظر الجوّي، وإغلاق المطارات والمعابر البريّة)، من دون أن تصل حد المواجهة العسكرية. رياح العبادي كانت عكس شهية سفن البرزاني، ما أفقد الأخير ثقة الشارع الكردي، فانتقل الكثيرون ممّن والاه إلى صفوف المعارضة، لتصل الأمور في نهاية المطاف، بالتوازي مع تصاعد نبرة الخطاب المعارض، للعودة إلى «ساحات الاعتصام»، خاصّةً أن كاهل المواطن الكردي بات مثقلاً بهمومه المعيشية، إلى جانب استشراء الفساد في مؤسسات «الإقليم»، فضلاً عن ظهور أحزابٍ وقوى وتجمّعات هدفها «كسر الثنائية الحاكمة» (حزبي «الديموقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني»).


لا يمانع الدستور
دخول الجيش
الاتحادي أيّاً من
مناطق «الإقليم»

«حسبة» البرزاني الخاطئة، وعجزه عن مواجهة بغداد في استعادتها لكركوك والمناطق المتنازع عليها، دفعت الشارع الكردي إلى «التجرّؤ» بعد أن تيقّن أن «البرزاني وحزبه ضعيفان جدّاً»، بتعبير أكثر من مصدر عراقي وكردي. فالمحرّك الرئيس للمتظاهرين، باختلاف انتماءاتهم، هو الواقع المعيشي الصعب هناك، الذي يتحمّل مسؤوليته البرزاني وحلفاؤه في الحكم، الأمر الذي يقطع النقاش حول وجود «طابورٍ خامس» يسعى إلى «تفجير الوضع وتأزيمه»، وفق المصادر عينها، التي ترى أن الحراك القائم ليس إلا «انتقاماً من السياسات الجائرة ضد المواطن الكردي».
حرب العبادي على «الفساد والمفسدين»، لاقت صداها في «الإقليم»، بل يمكن القول إنها من دوافع التظاهر، خاصّةً أن الجهات الداعمة للحركات الاحتجاجية قد طالبت أربيل بانتهاج المسار البغدادي في الحرب والقضاء على «الفساد»، وحينما غضّت حكومة «الإقليم» طرفها عن تلك النداءات، دعت تلك الأطراف حكومة العبادي إلى فتح «ملف الفساد في الإقليم»، وهو أمرٌ «لا يزال قيد الدرس»، وفق مصدرٍ حكوميّ عراقي.
الدوافع هنا تتقاطع مع المصالح السياسية، الداخلية والإقليمية والدولية. سؤالان يطرحان هنا: الأوّل حول موقف بغداد، والثاني حول مستقبل «الإقليم»، مع تصاعد حدّة الصدام بين القوات الأمنية «الأسايش» والمواطنين، والحديث عن انضمام بعض مجموعات قوات «البيشمركة» إلى الحراك القائم. ولأن ما يجري «ثقيل الوقع» على سلطات «الإقليم» كان لافتاً القرار الحكومي بإغلاق شبكة قنوات «NRT» (باللغتين العربية، والكردية)، بتهمة «التحريض على التظاهرات»، واعتقال مؤسسها، رئيس حركة «الجيل الجديد» شاسوار عبد الواحد، في خطوةٍ وصفت بـ«التعدّي على حرية التعبير، والتقييد للعمل الإعلامي في الإقليم»، لمصلحة الطبقة السياسية الفاسدة، بتعبير مصدر سياسي كردي.
«كل هزيمةٍ تولّد صراعاً داخلياً»، يجيب مصدر حكومي عن السؤال عن موقف حكومته من الأزمة القائمة، في إشارةٍ إلى أن ما يجري حالياً هو جزءٌ من تداعيات أزمة الاستفتاء. ويبرز هنا موقف العبادي، أمس، ودعوته إلى «احترام التظاهرات السلمية»، والتي أتبعها بتلميحٍ أن بغداد «لن تقف مكتوفة الأيدي في حال الاعتداء على أي مواطن في الإقليم». فالحكومة «لا تجد ضرورة في تدخل عسكري»، في الوقت الآني، إلا أن تدحرج الأمور ــ وهذا ما بات محسوماً وفق مصادر أمنية عراقية ــ فإن مدن «الإقليم» هي مدنٌ عراقية، و«الدستور لا يمانع دخول الجيش الاتحادي في أي منطقة في الإقليم»، أي إن «الغطاء القانون» يحمي العبادي في أي خطوةٍ يراها مناسبة في الأيام المقبلة لضبط أي «فلتانٍ ممكن» شمال البلاد، خاصّة أن البيئة «خصبة» لأي تدحرجٍ قد يقع.
دخول القوات العراقية إلى السليمانية، وهو أمرٌ «ليس مستبعداً أبداً»، يقود إلى السؤال عن شكل «الإقليم»، وهو ما تجيب عنه قيادات كردية، التي تجمع في ردّها على سؤال «الأخبار» على أن «الوقت الحالي هو الأنسب لعزل البرزاني كحالة سياسية من جهة، وتقسيم الإقليم إلى اثنين، أربيل والسليمانية». فمعقل «الطالبانيين» (نسبةً إلى الزعيم الراحل جلال الطالباني) «مفصولة عمليّاً» عن «الإقليم» الكردي، بوصف مصدرٍ حكومي مطّلع. هذا «الفصل» تراه بعض القوى الكردية، ضرورياً لأن يكون مستقلّاً عن إدارة أربيل، ما يعني عزل «البرزاني» وجماعته أكثر، وإرغامهم على تقديم المزيد من التنازلات لمصلحة بغداد. وبين قدوم العبادي إلى السليمانية كـ«مخلّص للأكراد» من سطوة البرزاني، ومحاولة بغداد والقوى الكردية عزله أكثر من خلال «تعديل خريطة الإقليم»، فإن الحديث عن المفاوضات بين بغداد وأربيل يبدو معلّقاً، مع ورود معطياتٍ تتحدّث عن تأجيلها حتى بداية العام المقبل، ما يتيح للعبادي تنفيذ أجندته في «الإقليم»، محقّقاً بذلك مقولة «كلّما اقترب الأكراد من تحقيق حلمهم، كبرت مأساتهم»؛ والحديث هنا عن تقسيم «إقليمٍ» سعى الأكراد طوالاً إلى توحيده وتوسعته، في «هزّةٍ ارتدادية» جديدة إثر «زلزال» الاستفتاء.




5 قتلى و80 جريحاً

سقط خمسة متظاهرين، وأصيب ثمانون آخرون في مواجهاتٍ مع القوات الأمنية في السليمانية، في «إقليم كردستان». وكان مستشفى الطوارئ في المدينة قد أعلن في وقتٍ سابق أن حصيلة التظاهرات هي «10 جرحى، أربعة منهم من قوات الآسايش»، واصفاً إصاباتهم بـ«الطفيفة». بدوره، أعلن مدير «صحة منطقة رابرين»، التابعة للسليمانية، تسجيل عشرين إصابةٍ بين متظاهري قضاء رانيه، ثلاثة منهم ذوو جروحٍ خطرة.
وفي قضاء كفري، عمدت «الأسايش (الشرطة)» إلى فضّ الاحتجاجات بالقوّة. أما في منطقة بنجوين، جنوب شرقي السليمانية، فقد أغلق المتظاهرون معبر برويزخان مع الحدود الإيرانية. وتستمر التظاهرات المطالبة بالإصلاحات السياسية والمعيشية، في عدد من مدن «الإقليم»، وذلك لليوم الثاني على التوالي، لتشمل كُلّاً من أقضية رانيه، وكويه، وكفري، وحلبجة، وكالار، التابعة لمحافظتي السليمانية وأربيل.
(الأخبار)