يبدو أن «إقليم كردستان» أمام منعطفٍ جديد، في سياق إعادة ترتيب «بيته الداخلي». الشارع الكردي لا يزال يغلي ضد حكومته والأحزاب السياسية القابضة على مفاصل الحكم، لليوم الثالث على التوالي، في وقتٍ حاولت بعض القوى السياسية الهروب إلى الأمام، مقدّمةً استقالتها من حكومة نيجرفان البرزاني، معلنةً انضمامها إلى «معارضة الشارع».


وشهدت مدينة السليمانية، أمس، تظاهرات غاضبة احتجاجاً على سياسات الحكومة المحليّة، إضافةً إلى مدينة رانيه (130 كيلومتراً شمال غربي السليمانية)، حيث أحرق المتظاهرون مقرّ «الحزب الشيوعي الكردستاني»، و«الحزب الاشتراكي الديموقراطي»، كما رشقوا بالحجارة مقرّاً لـ«حركة التغيير». ورغم الإجراءات الأمنية الكبيرة لقوات «الأسايش (الأمن)»، لضبط الاعتصامات، تحسّباً من تمدّدها إلى مختلف مدن وبلدت محافظة السليمانية، شهدت بلدات قلعة دزة (170 كيلومتراً شمال السليمانية)، وجمجمال (70 كيلومتراً جنوب السليمانية)، ومدينة حلبجة تظاهراتٍ مماثلة، وسط إطلاق القوات الأمنية للعيارات النارية، والغازات المسيّلة للدموع، لفضّ تلك التجمعات.


دعا الرئيس فؤاد
معصوم المتظاهرين
إلى «ضبط النفس»


معارضو «الثنائية الكردية» (حزبي «الديموقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني») يحرصون على إبقاء العنصر «العفوي» على الحراك القائم، غير أنهم عمدوا بالأمس إلى ركوب الموجة الشعبية، في محاولةٍ للهروب إلى الإمام تجنّباً لسخط محتملٍ من جهة، وفي مسعىً موازٍ لتصفية حساباتهم السياسية مع البرزانيين تحديداً من جهةٍ أخرى، وفق مصدرٍ سياسيّ كردي. وتأتي «رؤية» المصدر إثر إعلان «حركة التغيير» و«الجماعة الإسلامية الكردستانية» عن انسحابٍ «منسّقٍ» من حكومة البرزاني، بالتوازي مع تقديم القيادي في «التغيير» يوسف محمد استقالته من رئاسة برلمان «الإقليم».
وقال القيادي في «التغيير» عبدالرزّاق شريف «إننا قرّرنا الانسحاب لأن الحكومة ليست شرعية»، إذ تحمل حركته أربع حقائب، هي المالية، والتجارة، و«البيشمركة»، والأوقاف والشؤون الدينية، فيما تتولى «الجماعة» حقيبتين هما الزراعة والبيئة، من أصل 21 وزارة تشكّل حكومة «الإقليم». وأضاف في تصريحٍ صحافي: «قدمنا عدداً من المشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحكومة لمعالجة الوضع السائد، ولكن لم يستجيبوا لنا»، في وقتٍ تداولت وسائل إعلامية عدّة خبر «تعليق التغيير اتفاقيتها مع الاتحاد الوطني على خلفية التطورات الأخيرة».
أما «الجماعة» فأكّدت على لسان متحدثها الرسمي ريبوار أحمد أن «انسحاب الجماعة من حكومة الإقليم جاء نتيجة فشلها في إدارة الإقليم»، كاشفاً عن وجود مساعٍ لتشكيل إئتلاف سياسي لـ«تكوين قوّةٍ في كردستان في المرحلة المقبلة». وأشار إلى أن «الأحزاب المعارضة وصلت إلى قناعةٍ تامّة بأن هناك احتكاراً للسلطة، وأن الحكومة لا تهمها معاناة المواطنين بقدر ما تبحث عن امتيازاتها».
وفي محاولة منه للملمة التشتّت الكردي، دعا الرئيس العراقي فؤاد معصوم المتظاهرين إلى ضبط النفس، والالتزام بالقانون وعدم إلحاق الضرر بالمباني الحكومية، مطالباً الحكومة الاتحادية بـ«حل مشكلة دفع الرواتب المتأخّرة للموظفين والعمّال في الإقليم». وأكّد معصوم في بيانه على ضرورة إجراء «تحقيقٍ عاجل، ومحاسبة المقصرين»، مطالباً الحكومتين الاتحادية و«الإقليم» بـ«العمل الجاد والفوري للاستجابة لمطالب المتظاهرين المشروعة، والبدء بحوارٍ جاد وفوري وشامل لحل الخلافات بينهما، على أساس الدستور، وقرارات المحكمة الاتحادية، ورفع حظر الرحلات الجويّة الدولية من وإلى مطاري أربيل والسليمانية... وإنهاء كل أشكال التوتر».
أما «الحزب الديموقراطي»، فاعتبر على لسان القيادي شاخون عبدالله أن «الحكومة الاتحادية تدفع بإقليم كردستان إلى الهاوية، من خلال رفضها دفع رواتب الموظفين»، معتبراً أن ذلك «يعمّق الاحتجاجات والتظاهرات التي يشهدها الإقليم حالياً». وشدّد القيادي على أن «أمام بغداد خيارين لا ثالث لهما، إمّا أن تفتح أحضانها للأكراد، وتسعفهم من الأزمة الاقتصادية الحالية... أو أن ترفع يدها بشكل نهائي عن الإقليم».
وفيما التزمت بغداد الصمت أمس، في ظل الحديث عن إمكان تدخّل قواتها لفضّ النزاع الواقع شمال البلاد، فإن اللافت ــ حتى الآن ــ رفض أنقرة وطهران التعليق على المجريات الكردية، في وقتٍ أعربت فيه السفارة الأميركية في بغداد عن «دعمها لحرية التعبير في العراق، باعتبارها دعامة أساسية من أسس الديموقراطية في البلاد، على النحو المنصوص عليه في الدستور العراقي»، مبديةً قلقها «إزاء الأحداث الأخيرة الرامية لكبح عمل بعض وسائل الإعلام عن طريق القوّة، أو التخويف وبالأخص حادثة دهم مكاتب قناة NRT في السليمانية من قبل قوات أمنية تابعة لحكومة الإقليم».
(الأخبار)