لم تترك السلطات السعودية مجالاً للشك بأنّ «حساب المواطن» حيلة من حيل ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية، تُقدّم الطبَقتَين الفقيرة والمتوسطة على مذبح «الإصلاحات». أمس، حصل ما كان متوقعاً مع بدء إيداع مبالغ الدعم لحسابات المستحقين بـ«حساب المواطن». حجم فقاعة الدعم في الدفعة الأولى كان كافياً ليبيّن للمواطن أن وظيفة البرنامج «تعويض شكلي» عن تكاليف مضاعفة مرتقبة مع رفع الدعم عن الطاقة وفرض «ضريبة القيمة المضافة» مع بداية عام 2018.


يتذرع ابن سلمان بأن «الإصلاحات» الجديدة تستهدف الأغنياء، على أنّ «حساب المواطن» سيرفع تكاليف رفع الدعم عن الطاقة من كهرباء ومياه وبنزين، و«ضريبة القيمة المضافة» عن كاهل الفقير، وأنّ مقدار التعويض سيساوي الزيادة في فواتير الاستهلاك بناءً على معدل الدخل، إلا أنّ المبالغ المعلنة للدعم أمس كانت «صادمة»، وكشفت أنّ «المستهدفين» من البرنامج سيدفعون فاتورة «الإصلاحات».
يتراوح الدعم ما بين 300 ريال وما يفوق الألف ريال، بحسب ما أعلن وزير العمل والتنمية الاجتماعية، علي الغفيص. وبالنظر إلى المستويات الثلاثة التي قُسمت على أساسها شرائح المستفيدين (أصحاب الدخل المحدود، والمتوسط، وفوق المتوسط)، تحصل الشريحة الأعلى دخلاً (من تتراوح رواتبهم بين 15 ألفاً و20 ألفاً تقريباً)، على الحد الأدنى من الدعم المقدم (300 ريال)، أي ما يمثل زيادة ما بين 1.5 و2 في المئة على مداخيلهم فقط، أما الشرائح ذات الدخل الأدنى (تتراوح ما بين صفر ريال و15 ألف ريال)، فتحصل على الحد الأقصى من الدعم، وهو ما يقارب الـ 1400 ريال تقريباً (وهو أعلى الدعوم التي أعلن عنها المغردون السعوديون عبر وسم «كم جالك»)، أي ما يمثل 9 في المئة زيادة على الدخل تقريباً كحد أقصى، وهي نسبٌ لا تعوّض سوى جزء بسيط جداً من تكاليف ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 80% بدءاً من كانون الثاني 2018، بحسب وكالة «بلومبيرغ» الاقتصادية. هذا عدا الأثر غير المباشر لرفع أسعار الطاقة وتطبيق «ضريبة القيمة المضافة»، والتي سيتم فرضها على السلع والخدمات خلال مختلف مراحل سلسلة التوريد.


لم ينجح جيش «التطبيل» في تعويم مظاهر الغضب في «مواقع التواصل»


ولم ينجُ أصحاب العمل، والذين يمثلون الطبقة الميسورة، من الضرائب، إذ تستهدف الحكومة تطبيق المقابل المالي للوافدين في 2018، وهي رسوم جديدة أقرّتها الحكومة بهدف تحصيل ما بين 300 ريال و400 ريال (80 دولاراً إلى 106.7 دولارات)، بحسب أعداد العمالة الأجنبية مقابل الوطنية، وسيتحمل دفعها صاحب العمل وليس العامل، استناداً إلى «المادة الرقم 40» من نظام العمل، والتي تنص وفقاً لصحيفة «مال» السعودية بوضوح على ذلك، بأنه «لن يكون هناك أي مداخل قانونية لتحميلها على العامل».
تعود هذه السياسة غير المسبوقة، بحسب الاقتصاديين، بارتدادات سلبية على الاقتصاد السعودي، وإضعاف نمو القطاعات المختلفة، أمّا ما يأمله القائمون على هذا القرار بأن يحل السعوديون محل المقيم، يبدو صعباً وفق الخبراء السعوديين، كون العديد من الوظائف والمهن لم يعمل بها السعوديون حتى الآن، وهو ما يتطلب سنوات من أجل تأهيلهم لها.

«تويتر» ينتفض

لم ينجح جيش «التطبيل» السعودي، كما وصفه مغردون، في تعويم مظاهر الغضب في مواقع التواصل الاجتماعي. الوسوم التي طفت على سطح «تويتر» كـ«حساب المواطن ٣٠٠ ريال» و«صدمة حساب المواطن» و«أنا تبت من التطبيل»، حملت أوسع حالة غضب ربما في تاريخ المملكة. فبحسب فيصل بن صالح القرني، في تغريدة لاقت تفاعلاً كبيراً، «سيشهد التاريخ أنه في عام 2018 تم القضاء على الطبقه المتوسطة بالضربة القاضية في أغنى دول العالم»، ما ينذر بمرحلة جديدة تدخل فيها «المملكة المتحولة»، بنفق مظلم نحو «نظام جبائي»، يُمثل «حساب المواطن» حصان طروادة للانطلاق إليه.
ومن تظاهر التحول هذا، انخفاض إعانات الحكومة في السنوات الماضية، إلى مستوى إعانات «حساب المواطن»، إذ ترحّم المغردون على برنامج «حافز» الذي أطلقه الملك عبدالله في عام 2011، وهو عبارة عن إعانات تساعد على مواجهة مشكلة البطالة بين الشباب، يُصرف بمقتضاه مخصص مالي شهري لمدة 12 شهراً، يفوق بكثير مبالغ الدعم من البرنامج الجديد.
وسواءٌ عبر التغريد والمقاطع المصورة، شكّك المواطنون بأهداف ولي العهد من هذا البرنامج، ودعا العشرات منهم إلى إلغاء «حساب المواطن» وإعادة الدعم على الطاقة، تأكيداً على أن البرنامج لا يعوّض شيئاً يُذكر من التكاليف المضاعفة التي تنتظرهم، بينما تساءل آخرون عن السبب في عدم فرض الحكومة ضريبة على الدخل بدلاً من السلع والخدمات، إذ كانت صادقة فعلاً في هدفها المعلن بأن الضرائب تستهدف الأغنياء. وأشاروا إلى أنّ «الطبقة المترفة» لن تتأثر بالإجراءات الجديدة، فلا هي تتأثر بـ 5 في المئة إضافية على السلع والخدمات بقدر المستهلك، ولا برفع الدعم عن الكهرباء والوقود والمياه، إذ إنّ تأثير هذه الإجراءات على المداخيل الكبيرة «محمول».

«موازنة تاريخية» على حساب المواطن

يموّل «حساب المواطن» أكثر من ثلث ميزانية عام 2018، إذ إنّ رفع الدعم عن الطاقة سيوفر للحكومة ما يقارب الـ 370 مليار ريال، بعدما كانت تصرف 400 مليار ريال يستفيد منها الجميع. ومع رفع الدعم، باتت التكلفة على الدولة تقدر بـ 32 ملياراً فقط، بحسب ما جاء في الميزانية السعودية الجديدة، كتعويض لذوي الدخل المنخفض والمتوسط في «حساب المواطن». وفيما الإنفاق العسكري أعلى عنصر في الموازنة (210 مليارات ريال)، يبدو أنّ صفقات السلاح التريليونية ستكون على حساب لقمة العيش!