هل يمكن أحداً أن ينسى الشهيد محمد الدرة؟ الطفل الذي استشهد، متهاوياً، بين أحضان والده برصاص القنص الإسرائيلي؟ أو إيمان حجو مثلاً؟ تلك الرضيعة التي خرجت أحشاؤها من جسدها بفعل قذيفة مدفعية اخترقت جدران منزلها؟ أو الطفلة هدى وهي تصرخ بحنجرة متورمة، متفقدة أشلاء عائلتها التي توزّعت فوق رمل الشاطئ... أولئك الصغار الذين لعبوا مع البحر لعبتهم الأخيرة قبل أن يستشهدوا بفعل غارة إسرائيلية؟


بعد ذلك كله وأكثر بكثير، لم تستحِ الصحافية الإسرائيلية، نيطاع أحيطوف، بل وجدت نفسها تتمتع بكمّ هائل من الوقاحة لتبادر إلى حملة «إنسانية» توفر لما تبقى من هؤلاء الأطفال مصابيح شمسية صغيرة لينعموا بالضوء غير المتوافر لهم بسبب الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي في غزة. والأمر ليس إلا نتيجة للحصار الإسرائيلي الذي تفرضه حكومتها على القطاع منذ عشر سنوات.
أمّا كيف خطرت الفكرة «النبيلة» للصحافية؟ فالجواب ليس لأنها استفاقت فجأة على مجازر حكومتها وجيشها بحق الشعب الذي تحتل أرضه، بل لأنها اقتنت واحداً من تلك المصابيح لطفلها، وبعدما سمعت ــ الصحافية ــ عن أزمة الكهرباء في القطاع، فكّرت في أن تبادر إلى إطلاق حملة «شمسها». وللمفارقة، فإن طفلها نفسه صاحب الفضل في «الإشراق»، سيكبر لاحقاً وينضم إلى الجيش الإسرائيلي، وقد يصبح قائد مدفعية أو طياراً يقصف أطفال غزة المستقبليين!
ضمن مسرحية «الحنان الجياش» هذه، التي تتزامن مع عيد «الحانوكا» اليهودي (الأنوار)، وجد موقع «المصدر» الإسرائيلي، المدعوم من وزارة الخارجية الإسرائيلية مالياً، ومعلوماتياً من الأجهزة الاستخبارية، مناسبة لتسليط الضوء على مبادرة أحيطوف.
الموقع الإلكتروني المذكور يُعدّ واحداً من المنابر التي أنشئت خصيصاً لمخاطبة الرأي العام العربي وتوجيهه، والترويج للممارسات التطبيعية، سواء الثقافية أو السياسية أو غيرها، بين إسرائيل، حكومة وأفراداً، ودول وجمعيات وفنانين عرب. ورغم أن قضية حصار غزة، وإغلاق منافذها البريّة والبحرية، المستمر منذ عشر سنوات متواصلة، هي مسؤولية الاحتلال نفسه، غيّب «المصدر» هذه الحقيقة، ملقياً باللوم على مصر التي «قلصت إدخال الوقود إلى القطاع، ما تسبّب في أزمة الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي»!
أحيطوف نشرت فكرتها تلك من خلال فيديو على موقع «يوتيوب»، وبحسب ما قالته في الشريط الدعائي لحملتها، فإنها، و«بمساعدة من جمعية أميركية تدعى Rebuilding Alliance تقدم مساعدات إنسانية»، نجحت في الحصول على مصادقة تتيح نقل أربعة آلاف مصباح شمسي صغير لأطفال يتعلمون في مدارس ابتدائيّة في غزة، مستقبلاً. ويتبيّن من صفحة الجمعية الأميركية المذكورة أنها تعنى «بالشؤون المحلية للمجتمعات التي تعيش في صراعات وحروب مثل فلسطين، وسوريا وغيرها».
ورغم أن الحملة التي انطلقت قبل أيام قليلة لم تصل بعد إلى آذان الغزيين، إلا أن «الأخبار» حاورت (عبر مراسلها يوسف فارس) عدداً من الأطفال المستهدفين بالحملة. الطفل البالغ من العمر تسع سنوات ويدرس في الصف الرابع الابتدائي، بيان أبو عيشه، أجاب في رده على سؤال هل تملك مصباحاً يعمل على الطاقة الشمسية؟ بـ«لا، لكنني أحب أن أمتلك واحداً». وعندما عرف بأن صحافية إسرائيلية تريد توفير مصباح من هذا النوع كي «يلعب في الشارع ويتمكن من متابعة دروسه خلال انقطاع التيار الكهربائي»، قال: «لأ أنا برضاش». وعن السبب قال «إسرائيل بتقتلنا كيف بدنا نقبل ناخد كهربا منها؟».
أمّا مهاب أبو حصيرة، وهو أيضاً في مثل سن زميله، فقال إن «إسرائيل غير صادقة، أخذوا لنا القدس». ورداً على سؤال: إذا رضي والدك بذلك، هل ترضى؟ قال: «لا، لأن إسرائيل ضدنا». كذلك كانت إجابة زياد (8 سنوات)، معللاً رفضه بأن «إسرائيل تسرق بيوتنا وأرضنا، كيف تريد إعطاءنا مصابيح. ما لازم ناخد منها شيء». أمّا براء صوافيري (7 سنوات، الصف الثاني ابتدائي)، فأجاب عن الأسئلة الموجّهة إليه بالقول إنه «مستحيل أن يأخذ شيئاً من إسرائيلي، وإنه لا يسمح بدخول مصباح أهداه إياه الإسرائيليون إلى بيته». أمّا السبب الذي علّله فكان لافتاً: «يمكن إسرائيل تحطّ كاميرات مراقبة بقلب اللامبات».
إجابات الأطفال الواضحة لخّصها الطفلان براء ومحمد صوافيري قائلين إن «من يحبس والدنا ويسرق بيوتنا ويريد أن يرحلنا من هنا، لا يمكن أن يقدم لنا جميلاً»... «إسرائيل قتلتنا... ما رحمتنا».