المواجهة السياسية والدبلوماسية الدائرة في أروقة الأمم المتحدة بين الولايات المتحدة والغالبية الساحقة من دول العالم، حول قرار الرئيس الأميركي المتعلق بالقدس، لا سابق لها في التاريخ الحديث. للمرّة الأولى، تجد واشنطن نفسها معزولة بشكل شبه كامل عن بقية أعضاء ما يسمّى المجتمع الدولي. من الصحيح أن دولاً وازنة، وبعضها من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، سبق أن عارضت بقوّة السياسات الأميركية في الماضي.


فعندما قررت إدارة بوش الابن شنّ الحرب على العراق، عارضت فرنسا وألمانيا، حليفتا واشنطن، إلى جانب روسيا هذا القرار بحزم، وألقى وزير الخارجية الفرنسي آنذاك دومينيك دو فيليبان خطابه الشهير في نيويورك، محذّراً من نتائج الحرب على الاستقرار الإقليمي والعالمي. لكنّنا اليوم أمام مشهد مختلف. لم تنجح إدارة ترامب في إقناع أقرب الحلفاء، كبريطانيا، بصوابية قرارها حول القدس. أيّ تأمّل موضوعي نسبياً ومنزّه عن الانحيازات الأيدولوجية البدائية وعن الرغبة في عدم الإقرار بالحقائق البديهية حتى لا يستفيد منها الخصوم، ينبغي أن يخلُص إلى أننا أمام انحسار فعلي للنفوذ السياسي الأميركي.
الهيمنة الأميركية على العالم قامت على عدّة مرتكزات، أبرزها التفوّق العسكري النوعي على بقية دول العالم، وانتشار القواعد الأميركية عبر العالم، والسيطرة على أغلب مصادر الطاقة، وكذلك بناء التحالفات العسكرية والسياسية مع دول محورية على قاعدة مشتركات مصلحية وأيديولوجية/ سياسية بينها وبين واشنطن. القطب الأميركي هيمن من خلال قدراته الصلبة العسكرية والاقتصادية، ولكن أيضاً من خلال قدرته على جذب وإقناع حلفاء باعتباره نموذجاً لهم أو على الأقلّ نظاماً سياسياً شبيهاً لهم الى حدّ ما. ما هي حال جاذبية الولايات المتحدة اليوم بالنسبة إلى بقية دول العالم؟ نجح أوباما خلال رئاسته في ترميم جزئي لهذه الجاذبية، بعد أن كان بوش الصغير قد أضعفها، لكن دونالد ترامب يقوم، مشكوراً، بتقويضها مجدداً. وهو اختار سياق المعركة الحالية حول القدس ليعلن استراتيجيته للأمن القومي. هذه الاستراتيجية التي يعتبر بعض المعلّقين الأميركيين أنها إعلان نيّات أكثر منها استراتيجية بالمعنى الفعلي للكلمة، بسبب عدم تناسب أهدافها المعلنة مع القدرات الأميركية، إن وُضعت موضع التنفيذ فستُدخل العالم في سلسلة من التوترات والأزمات تؤدي في مجملها الى تعاظم الهوّة بين أميركا وحلفائها. هي تحدّد مجموعة من الأعداء، تسمّيهم، لاعتبارات دبلوماسية، خصوماً أو «قوى ساعية لإعادة النظر بالنظام الدولي» Revisionist powers، أبرزهم الصين وروسيا على المستوى العالمي، وإيران وحلفاؤها على مستوى الشرق أوسطي. وتعلن، وهذا هو الأهمّ، عن نيّتها تطوير القدرات العسكرية الأميركية بشكل يحافظ على تفوّق نوعي «لا يمكن مضاهاته» (superiority that cant be overmatched). وإذا ربطنا بين هذا الهدف الأخير وبين المشروع المعلن لوزير الدفاع جيمس ماتيس، منذ وصوله الى منصبه، لتطوير القدرات العسكرية، وبشكل خاص لبناء قاذفات استراتيجية جديدة، وكذلك لتحسين القدرات العسكرية التقليدية في مجال الأنظمة المضادة للصواريخ وأنظمة الرادار والحرب المعلوماتية، وهي موجّهة ضد روسيا أساساً، ولتحديث القوة البحرية وهي موجّهة ضد الصين، يصبح من الواضح أننا أمام مشروع أميركي لإعادة إطلاق سباق التسلّح مع قوّتين دوليتين صاعدتين، روسيا والصين، لن تترددا في خوض غماره حفاظاً على أمنهما ومصالحهما الحيوية. وقد سبق للرئيس فلاديمير بوتين أن حذّر، في خطاب ألقاه في شهر كانون الأول عام 2016، أي قبل وصول ترامب الى السلطة، الولايات المتحدة من مغبّة استمرارها في السعي إلى التفوّق في مجال الأسلحة التقليدية، لأن هذا الأمر يشكّل برأيه «خطراً على العالم». وفي الفترة نفسها، أصدر الجيش الروسي بياناً يعلن فيه أن جميع قوّاته البرّية والبحرية والجوّية باتت مجهّزة بأسلحة نووية تكتيكية.
إدخال العالم في سباق تسلّح محموم، وافتعال أزمات خطيرة، كما يجري الآن في شبه الجزيرة الكورية أو بالنسبة إلى المشروع النووي الإيراني أو بالنسبة إلى القرار حول القدس، ليس في مصلحة القسم الأغلب والأوزن من حلفاء الولايات المتحدة. ستثير هذه السياسات خلافات حقيقية بينهم وبين واشنطن، كما اتضح من موقف الدول الأوروبية من قرار أميركي محتمل بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران أو كما يظهر الآن بالنسبة إلى القرار حول القدس. ستؤسس هذه الخلافات بالتأكيد لتقاطعات، وربما حتى لتعاون، بين هذه الدول الحليفة وخصوم الولايات المتحدة لإيجاد مخارج مناسبة لمصالحهم المشتركة، بمعزل عن رغبات واشنطن. تراجع القوة الأميركية مستمر على صعيد عالمي، وهذا خبر مفرح!