بعدما سرت أنباء عن إمكانية إعادة تنشيط المسار التفاوضي في ما يتصل بالأزمة اليمنية، جاءت تطورات الميدان، خلال الأيام الثلاثة الماضية، لتضعف هذا الاحتمال، وتعيد إلى الواجهة خطط التصعيد التي كان تحالف العدوان قد في التحضير لتنفيذها. خططٌ لم تأتِ القرارات الأخيرة للرئيس المستقيل إلا لتعزّز من سيناريوات «المغامرة» بترجمتها على أرض الواقع؛ على اعتبار أن تلك القرارات بدت كأنها مبنية على تفاهم ضمني سعودي ــ إماراتي، يستهدف، في نهايته، حضّ «الإصلاحيين» على مزيد من الانخراط في المعركة التي لم تنجلِ بوادرها، إلى الآن، إلا عن مزيد من الضحايا المدنيين.


وبدأت مقاتلات «التحالف»، منذ السبت الماضي، حملة هستيرية راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، من دون أن تفلح في إحداث تغيير جذري في المعادلات الميدانية. وتجلّت آخر فصول تلك الحملة مساء أمس، بمجزرة ارتكبتها طائرات العدوان في مديرية التحيتا في محافظة الحديدة، حيث أغارت على منزل أحد المواطنين، ما أدى إلى مقتل 14 شخصاً من أسرة واحدة. سبق ذلك ارتكاب مجزرة مروعة في مديرية التعزية في محافظة تعز، والتي أغارت مقاتلات «التحالف» على سوق شعبي فيها، مُتسبّبةً بمقتل وجرح أكثر من 100 مواطن.


يزداد الموقف القبلي انسجاماً مع موقف «أنصار الله»

ويوم الأحد، قُتل 11 مدنياً، بينهم 5 من أسرة واحدة و6 مسعفين، وأصيب 13 آخرون بجروح، بـ 5 غارات لطيران العدوان في منطقة عصر، في مديرية معين في العاصمة صنعاء. وفي محافظة الحديدة، قُتل 8 مواطنين بينهم امرأتان، بغارات لمقاتلات «التحالف» على إحدى المزارع في مديرية زبيد. وفي المحافظة نفسها، أغار الطيران على مزرعة أخرى في مديرية الخوخة، ما أسفر عن مقتل 6 مزارعين. في غضون ذلك، استهدفت 6 غارات مبنى الجمارك في محافظة ذمار، مُتسبّبةً بمقتل 4 مواطنين، وجرح 55 آخرين. وفي محافظة صعدة، قُتلت 3 نساء وأصيبت رابعة بجروح، بعدما أغارت مقاتلات العدوان على مجموعة نسوة لدى عودتهن من مجلس عزاء في مديرية رازح. ويوم السبت، قُتل 5 أطفال وأصيب 3 آخرون بجروح، بغارة لطيران «التحالف» استهدفتهم أثناء لعبهم بجوار جامعة أرحب، في مديرية أرحب، بالعاصمة. جاء ذلك بعدما أغارت مقاتلات العدوان على تجمع قبلي في المديرية نفسها، ما أسفر عن مقتل 7 أشخاص وجرح 25 آخرين.
هذه المجازر المتلاحقة لم ترَ فيها «أنصار الله» إلا «دليلاً على الفشل الكبير الذي يسيطر على النظام السعودي ومن يقف خلفه»، مؤكدة، على لسان الناطق باسمها، محمد عبد السلام، أن «تصعيد العدوان لا يمكن أن يستقبله اليمنيون إلا برفد الجبهات». وقال عبد السلام، في تعليقه على مجزرة سوق شهرة، إن «استهداف الأسواق لا مبرر له»، مشيراً إلى «(أننا) أمام حرب تواطأ فيها العالم على الشعب اليمني». ورأى أن «صراخ العالم من صاروخ استهدف الرياض يكشف النفاق والصمت أمام جرائم المتغطرسين»، مُذكّراً بأن «صاروخ اليمامة أكد معادلة الردع لمواجهة الجرائم».
على خط مواز، تواصلت «الزوبعة» التي أثارتها قرارات الرئيس المستقيل، عبد ربه هادي، مساء الأحد، والتي استدعت ردود فعل متفاوتة وجدلاً على المستويين السياسي والإعلامي. جدلٌ ولّدته التناقضات التي انطوت عليها قرارات هادي، والتي أوحت بأن الأخيرة بُنيت على تفاهم ضمني بين السعودية والإمارات، هو جزء من الترتيبات المطلوبة لتحضير الميدان لجولة جديدة من المعارك، يأمل «التحالف» من خلالها تحقيق مكاسب ضد «أنصار الله». يبرّر ما تقدم أمران: أولهما أن قرارات هادي أطاحت آخر من تبقى من وجوه «المجلس الانتقالي الجنوبي»، المحسوب على الإمارات، من هيكل «الشرعية» (محافظ لحج ناصر الخبجي، محافظ الضالع فضل الجعدي، ووزير النقل مراد الحالمي)، لتستبدل الأوّلين بوجهَين جنوبيَين مواليَين لهادي (محافظ لحج الجديد أحمد عبدالله التركي، ومحافظ الضالع الجديد علي مقبل صالح)، والثالث بمعارض شرس للإمارات هو الكاتب والمحلل السياسي صالح الجبواني. لكن في المقابل، وهاهنا الأمر الثاني، تمت، بموجب قرارات هادي، إزاحة محافظ تعز السابق، علي المعمري، الذي كان معارضاً لاستنساخ التجربة الإماراتية في محافظته على شكل «نخبة تعزية»، واستبداله بشخصية مقربة من عائلة الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، ومحسوبة على الإمارات، هي التاجر المتحدّر من مديرية المسراخ، أحمد محمود.
بناءً على ذلك، يمكن الحديث عن مقايضة ترضى الإمارات، بموجبها، باستبعاد رجالاتها المعروفين بـ«عصبيتهم» ضد حزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون)، مقابل تقوية نفوذها في مناطق ذات أهمية وحساسية كمحافظة تعز. لكن تلك المقايضة، إن صحّت، لا يبدو، إلى الآن، أنها ستوصل، إلى جانب إجراءات أخرى يكثفها «التحالف»، إلى ما تشتهيه الرياض وأبو ظبي. إذ يظهر، حتى إشعار آخر، أن ثمة تذبذباً في موقف «الإصلاح» من الخطة السعودية ــ الإماراتية الجديدة، وخصوصاً أن اللقاء الذي جمع، الاثنين، رئيس الحزب، محمد اليدومي، وأمينه العام، عبد الوهاب الآنسي، بالسفير التركي لدى اليمن، ليفتن إيلر، في الرياض، أوحى بأن تجاذبات تدور بهذا الشأن بين جناح «الإصلاح» في السعودية، وجناحه التركي ــ القطري، الذي لا يزال معارضاً، بشدة، الانخراط في معارك الساحل الغربي وصنعاء.
إلى جانب ذلك، يزداد الموقف القبلي، خلافاً لرغبات السعودية والإمارات، انسجاماً مع موقف «أنصار الله»، وتعاضداً إلى جانبها، ما يحمل قيادة «التحالف» على تنفيذ خطوات انتقامية ضد القبائل، دونما اكتراث لما ستولّده من عداء مضاعف لها. نموذج من تلك الممارسات ما تشهده المناطق القبلية في محيط صنعاء وفي محافظة مأرب، حيث أقدمت مقاتلات «التحالف»، خلال الأيام القليلة الماضية، على شنّ أعنف غاراتها على قرى القبائل ومزارعها في نهم وأرحب وبني حشيش وحريب القراميش، ما أدّى إلى تصاعد دعوات «النكف القبلي».