في مقابلة ضمن برنامج «زمان إيميت» (وقت الحقيقة) الذي يبثه التلفزيون الرسمي الإسرائيلي، لمح وزير الأمن السابق، موشيه يعلون (بوغي)، أمس، إلى أنه هو «الرجل الذي بقي مجهولاً حتى اللحظة، ومطلق الرصاصة السبعين» على رأس الشهيد القيادي في حركة «فتح» خليل الوزير «أبو جهاد».

«هو مِيت (مات)»، أجاب «بوغي» رداً على سؤال الصحافي أساف ليبرمان، الذي قال له: «لقد كانت هناك شهادة من أحد سكان المنزل (المقصود زوجة الشهيد، انتصار الوزير) تفيد بأنه بعدما مات أبو جهاد إثر إطلاق النار عليه، صعد ضابط إسرائيلي كبير، وأطلق النار على رأسه للتأكد من موته... هل أنت هذا الرجل؟»، فكرر يعلون الإجابة مبتسماً بما يوحي بأنه الفاعل: «لقد مات».

وفق شهادة يعلون التي قدمها ضمن الحلقة، التي استضافت إلى جانبه وزير الأمن الأسبق إيهود باراك، فقد بدأت خطة الاغتيال في آذار 1988 بعدما كان جهاز «الموساد» قد كُلف تنفيذ عملية اغتيال «أبو جهاد» وفشل في ذلك أكثر من مرة، لتنقل المهمة إلى الاستخبارات العسكرية التي تلقت بدورها معلومات مفصلة عن مكان وجود الشهيد، وأدق التفاصيل الموجودة في مقر إقامته (مثل عدد درجات السلم، وعدد الحراس، والأثاث والغرف... إلخ).
وفي شهادة باراك الذي شغل آنذاك منصب نائب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، وتابع العملية من على متن إحدى السفن في البحر، فإن «الوقت الذي استغرقته الرحلة البحرية للوصول إلى فيلّا أبو جهاد بالقرب من شاطئ سيدي بوسعيد هو أربعة أيام متواصلة».
صحيح أن المعلومات التي أدلى بها الوزيران السابقان ليست جديدة، لكن تلميح يعلون قد يُنهي الجدل الذي دار حول الشخصية المجهولة سابقاً. ففي تشرين الثاني 2012، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» النقاب عن هوية وصورة أحد الجنود الإسرائيليين من الذين شاركوا في إطلاق النار لحظة تنفيذ عملية اغتيال القيادي في «فتح»، الذي كان آنذاك يقود من الخارج العمليات ويوجّه الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في فلسطين عام 1987.
طبقاً للمعلومات التي كُشفت آنذاك، تمت العملية بمشاركة وحدة «قيساريا» التابعة لـ«الموساد» وسَرِية هيئة الأركان العامة (سييرت متكال)، فيما ترأس فرقة الاغتيال الجندي، ناحوم ليف. وفي 2000، قتل ليف في حادث سير، لكنه قال قبل وفاته في المقابلة التي عرضتها الصحيفة، إنه «لم يتردد قط في إطلاق النار على أبو جهاد».


كانت عملية
«ديمونا» حاسمة في اتخاذ قرار اغتيال الوزير

تضيف المعلومات التي أدلى بها ليف بأن الجنود الإسرائيليين وصلوا إلى شواطئ تونس في الخامس عشر من نيسان 1988، ومن هناك تلقاهم رجال وحدة «قيساريا» الذين وصلوا قبلهم بيومين. وشارك في العملية على الأراضي التونسية 26 عسكرياً موزعين بين جنود وضباط في مجموعات. أمّا ليف، فقاد مجموعة مؤلفة من ثمانية أفراد أوكلت إليها مهمة اقتحام بيت «أبو جهاد».
في تفاصيل التنفيذ، سار قائد المجموعة برفقة جندي آخر موحيين بأنهما سائحان، وقد تنكر أحدهما بزّي امرأة حاملاً علبة شوكولا داخلها مسدس، ولمّا وصلا إلى البوابة الخارجية، أطلقا النار على الحارس الأول، ثم أُعطي الأمر لباقي المجموعة بالاقتحام، قبل أن يستشهد الحارس الثاني ومعه عامل الحديقة.
عملية الاغتيال التي اعترفت بها إسرائيل نُفذت على مرأى من زوجة «أبو جهاد»، انتصار الوزير، وأبنائه، علماً بأن الوزير واحد من أبرز القادة الفلسطينيين الذين خاضوا نضالاً ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث خطط لعملية نسف خزان «زوهر» عام 1955، وعملية نسف خط أنابيب المياه «نفق عيلبون» عام 1965، وعملية فندق «سافوي» في تل أبيب عام 1975، وتفجير الشاحنة المفخخة في القدس عام 1975.
كذلك ساهم «أبو جهاد» في عملية اغتيال البرت ليفي وهو كبير خبراء المتفجرات الإسرائيليين ومساعده في نابلس عام 1976، إضافة إلى عملية دلال المغربي عام 1978، وعملية قصف ميناء إيلات عام 1979، وقصف المستوطنات الشمالية بصواريخ «الكاتيوشا» عام 1981. أمّا العملية الفاصلة، فكانت اقتحام حافلة تقل موظفين في «مفاعل ديمونا» النووي في صحراء النقب، إذ كان من المفترض أن يؤسر العمّال ليبادلوا لاحقاً ضمن عملية لتحرير الأسرى الفلسطينيين. رغم ذلك، لم يُكتب النجاح لعملية المفاعل بعدما استشهد منفذوها الثلاثة، وقتل أربعة إسرائيليين خلال اشتباك مع جنود الاحتلال الذين اعترضوا الحافلة قبل وصولها إلى المبنى.