ببساطة مطلقة، يجلس «أبو بشار» متصدراً إفطاراً للأيتام أقامه جهاز «المخابرات العامة» التابع للسلطة الفلسطينية في شمال الضفة. لا يتوقف عن مجاملة كل من تصل إليه عيناه، يتجول بين الأطفال الأيتام ويملس رؤوسهم، بل يلقّم بنفسه بعضهم الطعام... وبعدما فرغ الجميع من الطعام، تحدث قائد «المخابرات» الفلسطينية، ماجد فرج بإسهاب عن الاحتلال والمصالحة والتدخل العربي في الشأن الفلسطيني، لترتفع نبرة خطابه «العفوي الشعبوي»، ويعلن دعم السلطة للسعودية ومصر على حساب قطر، رغم أن رام الله التزمت الصمت بشأن الأزمة الخليجية.


تصريح اللواء فرج (56 عاماً) تصدّر عناوين الأخبار محلياً وعربياً، لكن لم يتخيل أحد من الحاضرين أن يحظى كلامه بهذا الاهتمام الإعلامي ويتسبب بأزمة تالية لرئيس السلطة، محمود عباس. أسلوب فرج في الحديث لا يوحي بطبيعة الرجل ومهماته في هذا الجهاز الحساس، الموكل إليه أيضاً دور رئيسي في التنسيق الأمني، كما أنه بات شخصية بارزة في المشهد الفلسطيني، وصار مرافقاً شبه دائم لعباس في سفراته. وبمقدار عفويته، يتجنب فرج أي ظهور إعلامي، إذ يعمل بصمت، ويحرص دائماً على أن يحاط هو وجهازه بهالة كبيرة من السرية.
قصة وصول الرجل إلى الدائرة الضيقة لرئيس السلطة لا تقل غرابة عن شخصيته. فهو من مواليد مخيم الدهيشة للاجئين جنوب بيت لحم، وينحدر من قرية رأس أبو عمار جنوب غرب القدس، والواقعة ضمن الأراضي المحتلة عام 1948. تربّى في عائلة بسيطة جداً قوامها ستة أفراد، عاشت في أزقة مخيم الدهيشة. استشهد والده علي فرج في انتفاضة الأقصى عام 2002 وهو يهمّ بشراء ربطة خبز، وكان الاحتلال يفرض منعاً للتجوال على بيت لحم، فاخترقت جسده 12 رصاصة.
كحال فقراء المخيم، ترك فرج تعليمه للمساعدة في إعالة عائلته، وعمل صانعاً للتحف الشرقية في ورشة للنجارة في المخيم، وتنقل في العمل من ورشة إلى أخرى في الأسواق، ثم عاد من جديد إلى مشوار الدراسة ليحصل على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة، وهو يجيد اللغة العبرية بطلاقة، وإلى حدّ قليل جداً اللغة الإنكليزية.
الرجل صاحب «سيرة نضالية زاخرة» قبل أن ينخرط في صفوف السلطة، ويصبح في ما بعد من رموز التنسيق الأمني مع العدو، فاللواء ماجد خاض تجربة الاعتقال منذ نعومة أظفاره، حين كان على مقاعد مدرسة «الأونروا» في المرحلة الثانوية، وحكم عليه بالسجن عاماً ونصف عام، ثم توالت ملاحقات الاحتلال له في أعقاب انخراطه في «لجان الشبيبة»، الذراع النقابية والجماهيرية لحركة «فتح»، التي نشطت كثيراً في انتفاضة الحجارة عام 1987، وكان من ناشطيها. وبلغ مجموع ما أمضاه فرج داخل سجون الاحتلال ست سنوات، في عمليات اعتقال لـ 15 مرة، تنقل فيها ما بين سجون الفارعة والظاهرية والمسكوبية والخليل ونابلس والنقب.


بعد قيام السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو عام 1994، عمل ضابطاً في جهاز الأمن الوقائي في بيت لحم، ثم مديراً للجهاز في بلدة دورا قضاء الخليل، جنوب الضفة، إذ كان من المقربين من اللواء جبريل الرجوب في ذلك الوقت، والذي كان مديراً عاماً للجهاز آنذاك، وهو ما أتاح الفرصة لفرج ليترأس الأمن الوقائي في محافظة الخليل ككل عام 2000.
في 2003، عمل مستشاراً لوزير الداخلية الأسبق، حكم بلعاوي، وعام 2007 تولى منصب مدير الاستخبارات العسكرية، وبعد عامين (2009) صدر مرسوم رئاسي بتعيينه مديراً لجهاز «المخابرات العامة» حتى اليوم، ليكون بذلك رابع شخص يترأس هذا الجهاز منذ تأسسيه، وهو قد خلف اللواء توفيق الطيراوي (عضو اللجنة المركزية لـ«فتح») الذي أقاله عباس على خلفية تجسسه على رئيس ديوانه رفيق الحسيني.
لم تكن مهمة فرج الجديدة سهلة في ظل أن أفراد الجهاز كان ولاؤهم منقسماً ما بين رئيسهم السابق، الطيراوي، والقيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان، وربما علاقة فرج المبكرة برئيس السلطة حين كان عباس رئيساً للحكومة زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات هي ما جعلت «أبو مازن» يفكر في تسليمه هذا المنصب، لأنه يعي جيداً أن لا خبز له في «المخابرات» بحكم ولاءات أفراده للطيراوي ولدحلان. وبالفعل، استطاع ماجد أن يحدث تغييراً جوهرياً في الجهاز، ليس على الصعيد الداخلي فقط، وإنما أيضاً على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وَمَضَ نجم اللواء في أعقاب ارتباط اسمه بقضية التنسيق الأمني التي تحدث بشأنها علانية في إحدى المقابلات الصحافية النادرة له مع مجلة «ديفنس نيوز» الأميركية، حينما أعلن صراحة إحباط جهازه 200 عملية خلال «انتفاضة القدس» التي انطلقت مطلع تشرين الأول 2015. كذلك، بات الحديث عن جهازه محل نقاش عند اغتيال المناضل عمر النايف في السفارة الفلسطينية في بلغاريا.
أداء فرج في «المخابرات»، وتمايزه في ملف التنسيق الأمني في الضفة، بالإضافة إلى الدور الكبير الذي قام به وجهازه في تحرير رهينتين سويديين كانا محتجزين لدى مجموعة مسلحة في سوريا عام 2015، وكشف عنها الجهاز لاحقاً مطلقاً عليها اسم عملية «رد الجميل للسويد» على اعترافها بدولة فلسطين، وأيضاً علاقته بملف المصالحة وحركة «حماس»، عوامل جعلته محط اهتمام إسرائيلي وأميركي، وحتى إقليمي، وكثر الحديث عنه كخليفة محتمل لرئيس السلطة.
وفي ملف المصالحة، شارك في حوارات القاهرة، وزار غزة والتقى رئيس «حماس» فيها يحيى السنوار، وهو يشرف على الملفات الأمنية في هذا الشأن، لكنه يبدي تعنتاً كبيراً إزاء الكثير منها، كما كاد يتسبب بمشكلة كبيرة لما كشفت «حماس» أنه أتى مع طاقمه إلى القطاع بأسلحة، منها صواريخ محمولة، ولم يبت ليلته الأولى هناك، بل أجرى مناورة للخروج من غزة والعودة في اليوم التالي باكراً.
بات من الملاحظ في الآونة الأخيرة ملازمة فرج للرئيس عباس، وقربه منه بصورة كبيرة، حتى بات رفيقه الدائم، فيما تنقل مصادر عدة أن «أبو مازن» يصدق كل ما يقوله له فرج. من جهة ثانية، يبقى اللواء على اتصال دائم بالقيادة الأميركية، والتقى أكثر من مرة الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، الأمر الذي زاد التساؤلات عن توسع دوره وتطوره في مرحلة لاحقة، لكن ذلك يصطدم بفقده الحاضنة الشعبية، وكذلك الإجماع الفتحاوي، الأمر الذي يجعل حلم الرئاسة عسيراً عليه.
(الأخبار)