لا تزال حركة «حماس» مصرّة على إنكار وجود «داعش» في قطاع غزة، بل ترفض مجرد الحديث عن مخاوف من وصول هذا التنظيم الإرهابي العبثي إليها، حتى بعد وقوع الانفجارات الأخيرة في القطاع ببصمة داعشية.

قبل أشهر قليلة، كانت قيادة «حماس» تواجه أي حديث عن وجود لـ«داعش» في غزة بالسخرية والاستهزاء، وعندما تم تهديدهم للمرة الأولى من حلب، قالت هذه القيادة إن القطاع تحت سيطرة أمنية تامة ــ وكأن فرنسا أو أميركا نفسها قادرة على أن تحكم قبضتها الأمنية بصورة تامة في وجه الإرهاب ــ ثم عندما وقعت الانفجارات وتوجهت الأنظار إلى «داعش» كفاعل، استمرت قيادة «حماس» في سياسة «الهرب إلى الأمام»، فذهبوا إلى قراءات مختلفة لهذا الحدث بما ينسجم مع حالة الإنكار التي تعيشها هذه القيادة.

أشاروا إلى أنه قد يكون هناك أفراد وعناصر لهذا التنظيم الإرهابي، ولكن «داعش» نفسه غير موجود في غزة بشكل هيكلي منظم، بل خرجت بعض الأصوات، وإن على خجل واستحياء، لتقول إن الفاعل قد يكون من أطراف سياسية من داخل القطاع نفسه تريد أن تقول إن «حماس» لا تنفرد بالسيطرة وحدها، أو ربما جهات خارجية ــ في إشارة إلى إيران ــ أرادت إحباط التقارب بين الحركة والسعودية، في أعقاب زيارة خالد مشعل الأخيرة للمملكة.
حالة الإنكار هذه نابعة من إدراك مسبق لدى جزء من قيادة الحركة أن التسليم بوجود «داعش» تترتب عليه ضرورة مواجهة الذات ومراجعة السياسات والمحاسبة الداخلية وتحمل المسؤوليات. وهنالك إدراك أن هذه المراجعة ــ إن تمت ــ لا بد أن تبدأ من موقف «حماس» من سوريا وطبيعة فهمها لهذه الأزمة وكيفية التعامل معها منذ اليوم الأول. قيادة «حماس» اليوم مصرّة على إنكار وصول «داعش» إلى عقر دارها، لأنها ترفض التسليم والاعتراف لحزب الله بأنه كان لديه بعد النظر الكافي ليدرك مسبقاً طبيعة ما يحدث في سوريا والأهداف البعيدة المدى لهذه التنظيمات العبثية التكفيرية. «حماس» اليوم ترفض النظر في المرآة حتى لا تكتشف وتعترف بأن رهنها لخطّها الوطني المقاوم في «لعبة المحاور الطائفية القذرة»، ولحساب مصالح حزبية ضيقة، قد بات رهاناً خاسراً.
لم نعد بحاجة إلى التحليل والبرهنة حتى نثبت ما هي الأهداف السياسية القصيرة والبعيدة المدى لـ«داعش» في المنطقة. فهذا التنظيم وجد لتدمير الدولة والمجتمع في سوريا عبر صراع دامٍ طويل المدى، إن لم يكن بالإمكان إسقاط النظام نفسه في المدى القصير. ووجد لتغيير الأولويات وإعادة تشكيل التحالفات السياسية من قاعدة «المقاومة في وجه التطبيع» إلى قاعدة «الطائفة في مواجهة الطائفة».
وُجد هذا التنظيم المصطنع لفتح وتعبيد الطريق أمام المزيد من التشرذم والتقسيم. ليس تقسيماً وتشرذماً في المواقف والطوائف فقط، بل في الجغرافيا أيضاً. «داعش» موجود اليوم لتحويل الثورة إلى فوضى، ولتلقين الإنسان العربي درساً قاسياً حتى لا يعيد التفكير في السير في هذا الطريق الذي بدأه من تونس مرة أخرى. وهناك إمكانات إعلامية ضخمة تقف وراءها دول عربية عبر قنواتها الفضائية، تسوّق لهذا الفكر المتطرف وتسهّل انتشاره.
«حماس» لم تقرأ ذلك جيداً، أو لنكن منصفين، جزء من قيادتها، لأن هناك الجزء الآخر الذي أدرك أن ما بدأ في سوريا سيصل في حال نجاحه إلى بندقية الحركة، وذلك الجزء من قيادة الحركة الذي لم يستطع قراءة المستقبل، أو على الأغلب رفض هذه القراءة لأسبابه وأهدافه الخاصة، لا يزال مستمراً في عناده وإنكاره، بل يمضي في الطريق غير الصحيح الذي بدأه.
زيارة خالد مشعل للسعودية مؤخراً تعبّر عن هذا العناد والارتهان والإنكار. فقد باتت السعودية في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني مستعدة للانفتاح على الحركات الإسلامية المختلفة، بما فيها «الإخوان المسلمين»، وذلك على قاعدة التحشيد السنّي في مواجهة الخطر الشيعي، فلم يعد أمامها غير هذا الطريق.
إذا ما استفحل «داعش» فعلاً في غزة، فهذا لن يمس «حماس» وحدها أو حتى غزة، بل سيذهب بالقضية الفلسطينية إلى مزيد من التراجع والضياع، ما يفرض علينا القول إن أسباب التمدد الداعشي إلى القطاع لا تقتصر فقط على سياسات «حماس» غير الصحية ورهاناتها الخاسرة، بل بسبب حالة الفراغ السياسي والانقسام الداخلي وغياب مشروع وطني موحّد وعدم الالتفاف حول قيادة تتمتع بثقة الشعب في الداخل والشتات.
لم يعد هناك وقت لترف الإنكار والتردد، فالقضية الفلسطينية برمتها على مفترق طرق، والخيارات المتوافرة خطيرة ومدمرة، وكل الأطراف الفلسطينية دون استثناء تتحمل مسؤولية ما قد يحدث في الأيام المقبلة. من ظن قبل سنوات قليلة أن المصالح اختلفت والأولويات تبدلت، عليه اليوم العودة عن غيّه ليعترف بأن العدو واحد والمعركة واحدة وجبهة المقاومة يجب أن تبقى واحدة، وإلا فلن نجد أمامنا غير الضياع، وخلفنا الندامة.