الجزائر | أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، تكريس رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة مدفوعة الأجر، وذلك في قرار اتخذه خلال انعقاد مجلس الوزراء. وجاء في البيان الذي نُشر بهذا الخصوص، أن «الرئيس... أعلن قراره المتعلق بتكريس يوم يناير عطلة مدفوعة الأجر اعتباراً من تاريخ 12 يناير المقبل، إذ كُلفت الحكومة اتخاذ الترتيبات اللازمة في هذا الشأن». ويطلق على رأس السنة الأمازيغية تسمية «يناير» وهو يوم يصادف في كل سنة تاريخ 12 كانون الثاني الذي تحتفل به العائلات منذ قرون في كل سنة في عدد من مناطق البلاد تحت مسميات مختلفة.


أيضاً، جاء في قرارات بوتفليقة المتعلقة بالأمازيغية دعوة الحكومة إلى «عدم ادخار أي جهد لتعميم تعليم واستعمال اللغة الأمازيغية وفقاً لجوهر الدستور»، كما كلّف الحكومة «الإسراع في إعداد مشروع القانون العضوي المتعلق بإنشاء الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية»، مضيفاً أن «هذه الإجراء على غرار كل الإجراءات التي اتخذت سابقاً لمصلحة هويتنا الوطنية بمقوماتها الثلاث، الإسلامية والعربية والأمازيغية، كفيل بتعزيز الوحدة والاستقرار الوطنيين في الوقت الذي تستوقفنا فيه عدد من التحديات على الصعيدين الداخلي والإقليمي».


لم تصدر الأحزاب الإسلامية والعروبية أي معارضة لقرار بوتفليقة


وتأتي هذه القرارات في أعقاب احتجاجات كبيرة الشهر الماضي عرفتها منطقة القبائل، وهي المنطقة المتحدثة بالأمازيغية، بعد رفض البرلمان اعتماد تعديل في قانون الموازنة العامة يخص ترقية اللغة الأمازيغية، كان قد اقترحه «حزب العمال» المحسوب على اليسار. وإثر ذلك، خرج آلاف الطلبة ليعبروا غضبهم عما اعتبروه تهميش «تامازيغت» (تسمية اللغة الأمازيغية)، وطالبوا بضرورة ترسيمها فعلياً على الميدان كلغة رسمية ووطنية بعد أن صارت كذلك في الدستور منذ تعديله في نيسان 2016.
لكن الحكومة تعاملت بسلبية مع هذه التظاهرات، إذ وصفها الوزير الأول أحمد أويحيى، بأنها جاءت عقب «مناورة» حزبية لإثارة البلبلة في البلاد، فيما أشارت الأغلبية البرلمانية إلى أن السلطات العمومية بذلت «جهوداً معتبرة» في مجال تدريس الأمازيغية وترقيتها وتطويرها، وهو ما ينفي اتهامات تهميشها. هذا ما جعل قرار الرئيس، الذي يعاني من متاعب صحية جمة، مفاجئاً لكثيرين في وقت كانت فيه الاحتجاجات قد هدأت في منطقة القبائل، بل بدا كأنه يخالف منطق حكومته ومسانديه في البرلمان، وينحاز إلى مطالب المعارضين.
لذلك، أتت ردود الفعل على هذه القرارات مرحبة كثيراً، خاصة لدى الأحزاب السياسية، بدءاً من الأمينة العامة لـ«حزب العمال»، لويزة حنون، الذي تقدم بالتعديل المجهض، إذ رأت في تدخل الرئيس انتصاراً لحزبها ضد الحكومة والأغلبية البرلمانية. ووصفت حنون في لقاء مع منتخبي حزبها، أمس، هذه القرارات بـ«التاريخية والجريئة والتقدمية» التي تعبّر عن كل المطالب التي ناضل من أجلها حزبها في إطار القضية الأمازيغية. أما حزب «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي تعد منطقة القبائل أهم معاقله، فرأى أن قرار رئيس الجمهورية «ثمرة نضال طويل ما فتئت تقوم به جبهة القوى الاشتراكية لمصلحة ترقية اللغة والثقافة الأمازيغيتين»، مشيراً إلى أن «النضال السلمي وحده يأتي بثماره».
وعلى عكس ما كان متوقعاً، لم تخلف قرارات بوتفليقة معارضة بارزة عند تيار الإسلاميين والعروبيين الذين يحتفظون عادة بموقف متوجس في ما يطرحه أنصار الأمازيغية. وكتب البرلماني السابق عن «حركة الإصلاح» محمد صالحي، في صفحته على «فايسبوك»، أن «الأمازيغية هوية وثقافة إنسانية ومكارم أخلاق، جاء الإسلام ليتمِّمها لذلك بقيت راسخة في ممارسات الشعب الجزائري، ولم يعترض عليها علماء الجزائر، فلا غَروَ أن الشعب بقي إلى اليوم يحتفل بعيد ينّار (يناير) دون أن يعترض عليه علماء المالكية، ما دام عادة وليس عبادة».
ويشير السياق الذي اعتمدت فيه قرارات الرئيس الجزائري حول الأمازيغية إلى محاولة تجنيب البلاد أزمة جديدة في ظل سياق إقليمي متوتر بمسائل الهوية تضاف إلى متاعب البلاد الاقتصادية التي تعاني حالة شح موارد كبيرة بفعل انهيار أسعار البترول. ويمتد نضال أنصار الأمازيغية إلى أيام الاستعمار الفرنسي، حينما عملوا على إثبات وجودهم داخل الحركة السياسية الوطنية المطالبة بالاستقلال. وبعد استقلال البلاد الجزائر سنة 1962، نشطوا في السرية زمن الحزب الواحد، إلى أن اندلعت أحداث ما يعرف بالربيع الأمازيغي سنة 1980، واستمر الوضع على حاله حتى في زمن التعددية السياسية والحزبية، إذ تجددت مطالب الهوية في أحداث «الربيع الأسود» سنة 2001 التي سقط فيها عشرات الضحايا.