أخطر ما يحدث الآن أن القضية الفلسطينية توضع على مذبح التصفية النهائية من دون تنبّه حقيقي في العالم العربي يؤسّس لمواجهة تحدياته وتداعياته ونكباته. بتوقيت متزامن أقدمت السلطات الإسرائيلية على إجرائين خطيرين ينهيا من طرف واحد اتفاقية «أوسلو» وأي أوهام علقت على التسوية السياسية. أولهما قانون من الكنيست يؤكد وحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة ويصادر أي مفاوضات بشأنها، أو أي انسحاب منها ما لم يحظ بموافقة ثلثي نوابه. بالنظر إلى التوازنات الداخلية وطبيعة الدولة العبرية نفسها فهذا شرط مستحيل.


بدلالة التوقيت فهو استثمار سياسي واستراتيجي لاعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل والشروع في نقل سفارة بلاده إليها اعتماداً على القوة المفرطة عنفاً وتمييزاً عنصرياً ضد كل حق فلسطيني ـ أياً كانت حجة القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وبإغواء القوة فإن تهويد المدينة المقدسة سوف يمضي إلى آخره أيّاً كانت حجة القانون الدولي، أو بلاغة بيانات الإدانة. من غير المستبعد في مدى قريب هدم المسجد الأقصى، فالحفريات تحته تهدد بعمق قبة الصخرة وحائط البراق.
سألني في منتصف تسعينيات القرن الماضي البابا الراحل «شنودة الثالث»: «حاشا لله أن يحدث ذلك، لكن لو افترضنا أن المسجد الأقصى قد قصف وتهدمت أركانه، وقيل أن مجنوناً أقدم على هذا العمل، فماذا يفعل العالم العربي؟». كان السؤال يشغله، رغم اتفاقية «أوسلو»، ولم يكن مقتنعاً بقدرة النظم العربية وقتها على الوفاء بواجب القدس وواجب الأقصى. الأمور الآن أسوأ بفداحة مما كانت عليه ونذر الخطر تتزايد. وثانيهما، ما قررته بالإجماع اللجنة المركزية لـ«الليكود»، الذي يقود الائتلاف الحكومي، بضم التجمعات الاستيطانية إلى الدولة العبرية واعتبار الضفة الغربية كلها جزء من إسرائيل تخضع لسيادتها. القرار ـ بنصه وروحه وإلزاميته السياسية ـ استهتار مرعب بالمرجعيات الدولية التي تعتبر الضفة الغربية والقدس الشرقية أراض تحت الاحتلال.
كما أنه استثمار سياسي واستراتيجي آخر في «وعد ترامب» ورهان متجدد على أن أقصى ما قد تفعله الدول العربية إبداء بعض الاحتجاج بدواعي الحرج.
وقد بدت القرارات العربية والإسلامية، التي أعقبت ذلك الوعد، تحت الأسقف المنخفضة. لم تجرؤ دولة واحدة على سحب سفيرها من واشنطن، أو خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، أو التلويح بإعادة النظر في العلاقات معها، بل إن بعض الدول العربية لم تتورع عن المضي في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، رغم مشاهد الغضب التي تجلت داخل الأراضي المحتلة وباتساع العالم على خلفية رفض قرار ترامب. كان ذلك مشجعاً للدولة العبرية على تصعيد إجراءاتها وفرض الحقائق على الأرض لإنهاء القضية الفلسطينية، أيّاً كانت صرخات الغضب، أو درجة التضامن الإنساني. هكذا انتهت ما تسمى بعملية السلام بقرار انفرادي أميركي إسرائيلي. كانت «أوسلو»، بالطريقة التي جرت بها والتنازلات التي انطوت عليها، جريمة تاريخية متكاملة الأركان بحق القضية الفلسطينية.
لم تحسم ملفات الحل النهائي كالقدس وعودة اللاجئين والحدود والمياه والسيادة وترك كل شيء معلقاً على أهواء الطرف الآخر، الذي استنزف الوقت من دون حسم أي ملف، أو تقديم أدنى تنازل. من يوم لآخر توسع استيطانياً حتى بات ممكناً الكلام عن ضم كل الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧.
لم تعد هناك أرض ينسحب منها ولا موضوع للتفاوض، لا حق اللاجئين في العودة مطروح، ولا حل الدولتين ممكن. كان المبرر الرئيسي للذهاب إلى التفاوض السري في «أوسلو» خشية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أن يسحب البساط من تحت أقدامها إذا ما نجح الوفد التفاوضي في مدريد برئاسة الدكتور «حيدر عبد الشافي» بالتوصل إلى تسوية برعاية دولية متعددة في ظروف ما بعد انتهاء الحرب الباردة وعلى خلفية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي أعادت بصورة ملهمة عرض القضية أمام العالم. الآن تتحدث السلطة الفلسطينية المحاصرة في رام الله عن عدم أهلية الولايات المتحدة للعب دور راعي السلام، وأن هذا الدور يمكن أن يسند مستقبلاً لأطراف دولية متعددة، وهو خيار صحيح نظرياً ممتنع عملياً، والرهان عليه لا يغيّر كثيراً في معطيات القوة.
ليست هناك خيارات مفتوحة أمام الفلسطينيين، فكل الطرق مسدودة، والحرب معلنة عليهم. إذا لم يمسكوا بزمام الموقف وفق قانون الرياضيات الشهير: «لكل فعل رد فعل مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه» فإن قضيتهم سوف تتقوّض للأبد رغم عدالتها وتضحيات شعبها. الخطوة الأكثر جوهرية إلغاء اتفاقية «أوسلو» بقرار فلسطيني مضاد يسحب الاعتراف بإسرائيل حتى تعود القضية إلى جذورها بلا مساحيق تجمل، أو ادعاءات تخدع، كشعب تحت الاحتلال والتمييز العنصري.
المعنى نزع أية شرعية أخلاقية وسياسية تسبغ على همجية القوة باسم السلام والتسوية ووقف أي التزامات أمنية كاحتلال منخفض التكاليف وفتح المجال لقلب الطاولة بالكامل. ذلك يستدعي مساندة الانتفاضة الفلسطينية الجديدة بكل ما هو ممكن للحفاظ على زخمها في مواجهة تصعيد الإجراءات الإسرائيلية. لم يعد هناك ما يخسروه الفلسطينيون سوى القيود والدفاع عما تبقى من حقوق مسألة حياة أو موت. بقدر طاقة الفلسطيني المعذب على الصمود لأطول فترة ممكنة فإن إسرائيل سوف تجد نفسها في الزاوية محاصرة بضغوط دولية وإنسانية لا طاقة لها على تحملها مهما كان حجم الدعم الأميركي. الانتفاضة مفتاح الموقف ولا مفتاح غيره.
بضغوطها يمكن توفير بيئة مناسبة لمصالحة حقيقية تعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية من جديد ممثلة لوحدة الشعب والقضية وفق برنامج مرحلي يحدد الأولويات ويضبط قواعد العمل المشترك ويعيد طرح قضيته كمسألة تحرير وطني. من ناحية الإرادة العامة فإن للشعب الفلسطيني إرث طويل في التضحية والمقاومة، وهذه مسألة تضفي على القضية نبلاً إضافياً. وقد كان هتاف الطلبة الفلسطينيون بأعلى درجات الغضب وأسوأ النعوت ضد زيارة مدير مركز «ابن خلدون» الدكتور سعد الدين إبراهيم لجامعة «تل أبيب» دليلاً جديداً على وحدة الموقف داخل الخط الأخضر مع بقية الشعب الفلسطيني في القدس والضفة وغزة والشتات.
أول عامل فلسطيني يصون القضية من التبديد وحدة المشاعر العامة وإدراك أن العذاب واحد والمصير واحد. وثاني عامل يحفظ للقضية مستقبلها لا تملك إسرائيل منعه أو صده. بحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني فقد تضاعف عدد الفلسطينيين نحو ٩ مرات منذ مايو/ أيار ١٩٤٨ إلى مايو ٢٠١٦.
وبحسب تقديرات أخرى فإن أعدادهم على الأرض بكامل التراب الفلسطيني التاريخي ربما يكون في حدود ٦.٥ مليون نسمة. إذا ما ضمت إسرائيل الأراضي المحتلة فإن معضلتها الديموغرافية لا حل لها. التمييز العنصري أحد المخارج لكنه ليس بالسهولة التي يتصورها غلاة الصهيونية والتهجير الجماعي القسري شبه مستحيل. كما أن دمج الفلسطينيين في الدولة العبرية ينهي يهوديتها ويجعل من حكم الأغلبية العربية مسألة وقت. كل الاحتمالات والسيناريوهات تؤكد عدم قدرة إسرائيل على البقاء بينما نحن نعطيها بالعجز والتخاذل كل أسباب القوة.
* كاتب وصحافي مصري