«يا جدراننا المسكونة بألمنا وآلامنا لا ترحلي، فنحن أيتام بلا جدران». ركبت هذه العبارة ظهر جدارٍ نجا من السقوط في مدينة داريا جنوب دمشق، أما بقية الجدران الصامدة فحالها لم يكن أقل بؤساً من ساكنيها الذين رحلوا عنها، فحمّلوها ما عجزوا عن حمله. حمّلوها الغضب الذي انحبس في داخلهم، والخوف والحب، فخرجت مكنوناتهم شعاراتٍ كُتبت على عجل في غفلةٍ من القناص وشرودٍ من الرصاصة، وهم يرددون: «لو وجدنا من يسمعنا لتركنا صحيفة الجدران».


بدأ الموت في 2011، وبدا أن الحقيقة لن تنفجر إلا من الجدران الخرساء، نطقت الجدران! ولكن بصوتٍ عالٍ هذه المرة، فجاءت عباراتها تعويضاً عن سنوات الجفاف السياسي وانحباس الماء. لم يعد هناك «أبجورات» يمكن السلطات أن تنزلها على الجدران لتصِلَ عتمةَ الليل بالنهار وتحجب العبارات التي مدّت يديها وساقيها وأطلقت لسانها. في مقابل ذلك، لم تأتِ الشعارات نقيّة صافية طيّبة تعبّر عن مشروع يجمع السوريين في مجملها، جاءت لتعبّر عن تبعيّة وتحزّب من كتبها، وفي بعضها الآخر جاءت لتعيد الفرز بين موالٍ ومعارض؛ وآخر لديه بقية من حلم وحب أيقظه الواقع، فأخذ يرمّم حلمه وينعش حبه على جدران المدينة التي اغتالها الرصاص. بعضهم ترك توقيعه واسمه المستعار، آخرون تركوا اسم المنطقة أو المدينة، البعض الآخر اكتفى بالعبارة فقط يقيناً منه أن الاسم لم يعد مهماً، «فبالأمس كنّا نمزح ونقول يا رب تنهدّ المدرسة وانهدّت»، فهل بقي بعض من جدوى للاسم والهوية؟ هذا ما تقوله عبارة نُقِشت على أحد الجدران في برزة.


كان للعبارات على الجدران
أثرها في عام 2012


في وضوح الحرب وزُرقة صراحتها، نقرأ على جدران مدينة دمشق وحاراتها بعضاً من شعارات المعارضة التي نقشت خلال السنوات الأولى للحرب: «لرائحة الدماء سيغضب البحر ــ الثورة: تذكرة دخول وليست تذكرة خروج ــ ما بين زرقة السما وعتمة الزنازين وطن يتسع لأحلامنا ــ ذهب الذين تحبهم ذهبوا فإما تكون أو لا تكون». للموالين أيضاً عباراتهم المؤلفة غالباً من كلمتين أو ثلاث دُججت بالتأييد والذهاب إلى الأبدي، نقرأ منها: «صغيرة يا كبير ــ الأسد أو نحرق البلد ــ والله لنمحيها ــ نموت ليحيا الأسد ــ سوا بنعمرها ــ الأسد أو لا أحد».
من نجا من السياسة كتب عن الحب وبعضاً من الأمنيات التي لم تنجُ، نقرأ منها: «بحبك يا مقصوفة العمر ــ أحبيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت وبعيداً عن مدينتنا اللي شبعت من الموت ــ لن نألف الموت وسنبقى نحب الحياة ونبني موسم عشق بين قذيفتين ــ إذا خايف من بكرا... نام وفيق بعد بكرا ــ أحبوها فهي سوريا ــ عندما تختفي الطائرات... تطير الحمامات بيضاء بيضاء».
في سوريا، لم تُوَثَّق ظاهرة الكتابة على الجدران التي عرفت في القرن السادس عشر باسم «الجدران تتكلم». وعبّرت في ذلك الوقت عن بشاعة الحروب الدينية، لتتحول الجدران لاحقاً إلى وسيلة للتعبير عن الرأي، وبرزت بشكلها القوي على جدران باريس إبان الحركة الطلابية عام 1968. في لبنان أطلقت عليها الصحفية ماريا شختورة «جدران العار». مع ذلك، هناك من يؤيد هذه الظاهرة، وهناك من يقف ضدها. تمام ضو (طالب طب بشري) هو من مشجعي هذه الكتابات، ويرى أنها «قريبة من الواقع والشارع، لأنها ببساطة تعبّر أكثر بكثير مما تعبّر الصحافة أو التلفزيون». ويضيف أن «من يكتب على الجدران، يكتب بشكل مجرد من دون لف أو دوران أو مثاليات أو مجاملة، هنا تكون الجدران للجميع وليست حكراً على مجموعة معينة من الناس. فهو يكتب على الجدران رأيه مباشرة؛ بشجاعة من دون أن يستطيع أحد محاسبته أو مجادلته على ما كتب».
عن رأيه بهذه الظاهرة، يقول سعد القاسم (دبلوم دراسات عليا في الفنون الجميلة): «قد يبدو رأيي متعالياً بالنسبة إلى المتحمسين للكتابة على الجدران، أجد أنها في المبدأ عمل غير حضاري لأنها بالنتيجة تشوّه الأبنية والمدن، وتخلق تلوثاً بصرياً يزيد أو ينقص تبعاً لحال المكان». ويضيف أنه «إذا كانت الغاية هي التعبير عن الرأي فهي أيضاً وسيلة متخلفة، خاصة في زمن مثل زمننا لا يعدم وسائل التعبير الأكثر فاعلية وانتشاراً، وأعني وسائل التواصل الاجتماعي». ويرى أنه «إذا انطلقنا من التاريخ الحديث إلى الواقع المعاصر، فإن هذه الكتابات كانت إحدى وسائل خلق رأي عام انفعالي وسطحي بدءاً من ثورة الطلاب المشبوهة في فرنسا، مروراً بثورات المخابرات الأميركية الملونة في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى كارثة الربيع العربي». ويشير القاسم إلى الظاهرة التي انتشرت خلال الثورة الروسية كما يوثق جون ريد في كتابه الشهير، ومثلت البديل الحضاري لظاهرة الكتابة على الجدران، وهي ظاهرة البيانات السياسية المطبوعة على الورق التي كانت تلصق على الجدران وتطرح من خلالها القوى السياسية المختلفة آراءها المتباينة التي تهدف إلى مخاطبة عقل المتلقي، لا إثارة انفعالاته ومشاعره وغرائزه العصية.

ارحلوا... عودة إلى القواعد الطائفية

في وجهها الآخر، لم تكن الجدران مجرد صحيفة كُتِب عليها في لحظة ضجر، بل سجلت في بعض أدوراها عودة الناس إلى قواعدها الطائفية خوفاً من بريد نقلته الجدران. لطالما كانت أحياء المدينة تعجّ بساكنيها، وتفاصيلها، ولطالما كانت شيماء تعلن تذمرها الدائم من ضجيج الأطفال على عتبة باب بيتها في المعضمية (ريف دمشق). تفتح الباب بغضب وبصوت عالٍ تصرخ في وجوه الأطفال: «أريد أن أنام». تعلن شيماء اليوم ندمها وتقول: «اشتقت للضجيج». هي كتبت في أعلى عتبة باب جيرانها: «عودوا». عبارة شيماء كتبتها بما يشبه نداء استغاثة، أكثر منه نداء عودة. تروي لنا كيف أدى الخوف من حوادث الانتقام الطائفية بداية الأزمة 2011 إلى رحيل الكثير من جيرانهم، لكن هذا الرحيل لم يكن عفوياً، كان مسبوقاً بعبارات تهديد كُتِبَت على جدران منازلهم. تقول شيماء: «في عام 2012، وصل الناس إلى ذروة الاحتقان والانقسام السياسي الذي عُبّر عنه في كثير من الأحيان بعبارات طائفية كان يكفي أن تقرأها على الجدران حتى تعلم أنه بات عليك الرحيل».
ما ترويه شيماء تؤكده أميرة، فقد كان للعبارات أثرها في عام 2012، تقول الأخيرة: «ما بين إخوتي المتطوعين في الأمن وجيراننا المعارضين، كانت تكفي عبارة (ارحلوا) على جدار منزلنا في كفرسوسة حتى نستعد للرحيل». وتضيف: «ما حدث لنا كان تصرّفاً فردياً أكثر منه جماعياً، كان إخوتي يأتون من شعبة المخابرات العسكرية، لم يقتربوا يوماً من متظاهر أو يرفعوا رؤوسهم في مواجهة مظاهرة، لكنه الخوف. فَقَدَ أبي قدرته على البقاء، كان يصاب بالهيستيريا من فكرة أن يستيقظ صباحاً على خبر الفجيعة بأحد أبنائه». وتتابع: «لم تخلُ صداقتنا مع جيراننا وعمرها 20 عاماً من الودّ يوماً، لكن القصة تحولت إلى قصة أبناء بدمٍ حام، تتحرك مشاعرهم كلما علت أصوات التظاهرات، فهذا سيخرج في تظاهرة يهتف بسقوط النظام، وذلك سيخرج ليمنع التظاهرة لأنه مع النظام، موالاة ومعارضة والباب عالباب، أحدهم سيؤذي الآخر، لم يعد هناك من مجال للبقاء، ما زلت أذكر ذاك اليوم».
«عندما قررنا الرحيل، كانت القيامة بلا مبالغة، جاء الجيران لوداعنا وهم يبكون، مطلقين شتائمهم على من أطلق شرارتها» تضيف. وبعد ذلك؟ نسألها وتجيب: «بعد ذلك، أقفل أبي الأبواب وهو يخاطبها: رح تحكي حكايتنا وتقولي أنو كلمة عالحيط رحلتنا، وتقولي أنو نزفنا بالسرّ وما قدرنا نصرخ، ممكن نرجع بكرا ونكسر هالقفل؟». تختم أميرة: «وكأننا في غفلة من النيام وسكون الليل وقبل أن تستيقظ شمس المدافع وتطلق طلقتها الأولى وصلنا إلى مشارف قريتنا في ريف جبلة».
يُقال إن باريس غسلت وجهها، وإن بيروت مسحت جبينها ومعها الشعارات التي مات من أجلها كثيرون، ماذا عن سوريا؟ متى ستغسل المدينة جدرانها؟ تجيب المدينة: عندما نغيّر فرش الذاكرة.