رام الله ــ الأخبار

رغم السخط الشعبي الواسع على زيارة البطريرك ثيوفيلوس الثالث لمدينة بيت لحم، جنوب الضفة المحتلة، والاحتجاجات التي نظمت لعرقلة دخوله كنيسة المهد لإحياء عيد الميلاد وفق التقويم الشرقي، فإن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، تجاهل مطالب الجماهير، وأصر على إحسان استقبال البطريرك المتهم ببيع وتسريب عقارات (بيوت وأراضٍ) لإسرائيل.

وعقب انتهاء الاحتجاجات، جاء عباس برفقة شخصيات رسمية، كرئيس الوزراء رامي الحمدالله، ورئيس «المخابرات» ماجد فرج، وجلس إلى جانب ثيوفيلوس مشاركاً في قدّاس منتصف الليل الذي يُقام ضمن مراسم أعياد الميلاد، رغم أن السلطة تقول إنها تحارب تسريب العقارات لمصلحة الاحتلال رسمياً أو الجمعيات الاستيطانية.
ويتهم البطريرك بموافقته على إبرام صفقات أسفرت عن تسريب أراض وعقارات مسيحية إلى شركات استيطانية إسرائيلية، إما بالبيع المباشر للعدو وإما عبر طرقٍ ملتوية كالتأجير لعشرات السنين. ويعود أصل القضية إلى عام 2005، حينما انتخب ثيوفيلوس بطريركاً بالإجماع، وما لبث أن برز اسمه في جملةٍ من صفقات بيع أوقاف مسيحية تتبع للكنيسة الأرثوذكسية، منها ما عُرف بـ«صفقة باب الخليل»، وتشمل بيع فندقي «الإمبيريال» و«البتراء» الموجودَين في باب الخليل في مدينة القدس المحتلة، وما يتبع لهذه الفنادق من محال تجارية في المباني نفسها، إضافة إلى عقارات أخرى داخل البلدة القديمة تتبع أوقاف البطريركية، بحجة الحاجة إلى مال.
كذلك، استنكر الفلسطينيون الاستقبال الرسمي الذي حظي به البطريرك من السلطة، في ظل أنه «يأتي عقب تهديد العدو الإسرائيلي باجتياح مدينة بيت لحم لإدخال ثيوفيلوس بالقوة ومنع اعتراضه»، فيما برر عدد قليل الاستقبال الرسمي لدواع تتعلق بـ«الوحدة الوطنية».


تكشف وثائق وتحقيقات عن عمليات بيع كبيرة للإسرائيليين وافق عليها البطريرك


وتسبب الاحتجاج، في سابقة هي الأولى من نوعها، في عدم تلقي ثيوفيلوس الترحيب المعتاد عشية دخوله كنيسة المهد وفق البروتوكول، بل استقبل بالأحذية والبيض والنفايات، وهتافات: «الخاين برا برا... أرض الكنيسة حرة»، كما تناثر زجاج إحدى سيارات موكب البطريرك بفعل الرشق بالحجارة. ولأول مرة منذ سنين، لم يتمكن البطريرك من مغادرة سيارته للمشي على بلاط ساحة المهد كالمعتاد وفق المراسم، بل نزل برفقة موكبه إلى باب الكنيسة خشية وصول المتظاهرين إليه. في المقابل، عمل أمن السلطة على تأمين الحماية للبطريرك، عبر فرض طوقٍ كامل في طريق مرور موكبه وقمع المتظاهرين.
ورغم أن محافظ بيت لحم جبرين البكري، ممثلاً عن عباس، ووزيرة السياحة رولا معايعة، عملا على استقباله رسمياً قبل حضور رئيس السلطة، فإن بلديات بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا وآلاف المسيحيين قرروا مقاطعته، ما حدا به إلى تأجيل دخوله «المهد» حتى الواحدة ظهراً. وكان آلاف الناشطين عبر مواقع التواصل قد دشّنوا قبل زيارة البطريرك بأيام حملة واسعة (#المهد_لن_تخون) رفضاً للزيارة وبيع أراضي الوقف المسيحي للإسرائيليين، كما طالبوا بمقاطعة ثيوفيلوس وعزله من منصبه.
وكانت صحيفة «كلكليست» الإسرائيلية قد كشفت عن إبرام صفقة سرية تم بموجبها بيع أراض وقفية في أحياء غرب القدس تتبع الكنيسة الأرثوذكسية لبلدية العدو بغرض استثمار رجال أعمال إسرائيليين. وذكرت الصحيفة في عددها الصادر خلال تموز الماضي أن «الصفقة تشمل 500 دونم من أراضي البطريركية الأرثوذكسية في القدس تقع في حي الطالبية وحي المصلبة وعدة أحياء أخرى». وآنذاك، قدّم نحو 300 شخص شكوى لدى النائب العام في السلطة، أحمد براك، بحق ثيوفيلوس، ومجمعه في القدس المحتلة، لبيعه وتسريبه أملاك الفلسطينيين للعدو.
من جهة أخرى، تكشف وثائق «ويكيليكس» وجود تدخلٍ أميركي لدى العدو للاعتراف بالبطريرك ثيوفيلوس الثالث مقابل التزامات منه في «صفقة باب الخليل» المشار إليها. ووفقاً للوثائق عينها، قال بطريرك الروم الأرثوذكس كيريوس ثيوفيلوس الثالث، خلال لقائه الملحق السياسي الأميركي في 18 كانون الأول2007 ، إن الوزير الإسرائيلي رافي ايتان أبلغ البطريركية في القدس مطلع ذلك الشهر أن «الحكومة الإسرائيلية اعترفت بي، لكنني أنتظر وثائق رسمية منها، وهي إجراءات تقنية».
في الوثائق نفسها، يؤكد ثيوفيلوس أن بطريركيته «ستحترم الاتفاقات السابقة مع الحكومة الإسرائيلية كافة، وتعامل قضية الأملاك الأرثوذكسية اليونانية في القدس الشرقية التي باعها البطريرك السابق أرنيوس للإسرائيليين كمسألة قانونية». كما تكشف وثيقة سرية أخرى من «ويكيليكس» تعود إلى 20 آذار 2014 وصدرت من مكتب نائب مدير وزارة الشؤون الدينية اليونانية وقُدمت إلى الملحق السياسي الأميركي، عن مذكرة تفاهم يوناني ــ أميركي بالاتفاق «سراً» مع الفاتيكان والبطريركية اليونانية في القدس والاتحاد الأوروبي حول وضعية القدس والأماكن المقدسة فيها عند «الحل النهائي».
أما عن أسباب اتساع رقعة الأراضي التابعة للأوقاف المسيحية في فلسطين، فيقول مؤرخون إن الكنيسة البيزنطية نفسها دائماً كانت تضم تيارين، أحدهما كهنوتي يوناني على خلافٍ مع التيار السوري وينافسه منذ القرون المبكرة للمسيحية. ويوضحون أنه مع سيطرة التيار الأول على الكنيسة، فإنه «حتماً سيتجاهل مطالب العرب، وهذا ما يحدث الآن». أما في العهد العثماني خلال حكمه في فلسطين، قبل نحو ستة قرون، وافق السلطان على منح البطريرك القسطنطيني صلاحيات شبه مطلقة تخص الرعايا المسيحيين، ومن ضمن ذلك إعفاء أراضي الكنائس والأديرة والوقف من ضريبة الأملاك، وهو ما جعل أبناء الرعية المسيحية يسجلون أراضيهم الزراعية باسم الأديرة للتخفيف من عبء الضريبة. وتسبب ذلك في تضخم الوقف الأرثوذكسي في فلسطين، وصولاً إلى بيع ثيوفيلوس جزءاً كبيراً منه.
في غضون ذلك، ترفض السلطة الفلسطينية والأردن كسر الالتزامات والبروتوكولات الرسمية، وتحرصان على الاستقبال المعتاد والتعامل الطبيعي مع البطريرك، وذلك لمنع الغضب اليوناني الرسمي، وللحفاظ على الوضع القائم في العلاقات مع المسيحيين في بقية أنحاء العالم، كما تقولان. وفي الوقت نفسه، يتمسك البطريرك بالموقفين الرسمي لرام الله وعمّان في مواجهة الغضب الشعبي العارم.