القصة ملغومة بأسرارها وخلفياتها ورسائلها، والأسئلة كلها مشروعة حتى تستبين الحقيقة الكاملة في تسريبات صحيفة «نيويورك تايمز». ما الذي جرى... وكيف... ولماذا... ومن يتحمل مسؤولية الإساءة الفادحة لمصر في العالم بأسره؟

إذا صحت نسبة التسريبات إلى ضابط في أحد الأجهزة الأمنية، وهذا احتمال وارد، لكنه مستبعد نسبياً، فإننا أمام كارثة تاريخية لا سابق لها تضرب في عمق الأمن القومي المصري والعربي على السواء وتتجاوز كل خط أحمر.

وفق التسريبات المسجلة، فإن الضابط المفترض وجّه ثلاثة إعلاميين بمماشاة الغضب العام على اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مثل الأشقاء العرب الآخرين، من دون التورط في دعم الانتفاضة الفلسطينية، وأنه لا فارق بين القدس ورام الله كعاصمة لفلسطين، بما يعني الاعتراف ــ ضمنياً ــ بقرار ترامب على عكس المواقف الرسمية المعلنة.
وإذا لم تصح نسبة تلك التوجيهات إلى أي جهات أمنية، وهذا احتمال مرجح للغاية، فأين وجه الخلل الذي دعا قطاعات عريضة في الرأي العام العربي والفلسطيني إلى تصديق أنها حدثت فعلاً؟ باليقين، فإن منسوب التدخل الأمني في العمل الإعلامي وصل إلى حد أفقده مهنيته وموضوعيته وأي قدرة علي التأثير. نزعت السياسة من على الشاشات بقدر ما جُففت في الحياة العامة.
هذا وضع خطر ينذر بعواقب مرعبة، فعندما تتسيّد أغلبَ التغطيات السياسية وجوهٌ تتلقى التوجيهات الأمنية، كأنها وحي يوحى، يفقد الإعلام احترامه لنفسه كما احترام مشاهديه الذين ينصرفون عنه إلى محطات دولية وإقليمية بحثاً عن حقيقة ما يجري في بلادهم. هذا النوع من الأداء والتفكير أضر بصورة البلد على نحو يصعب ترميمها في أي مدى منظور.
من أسباب الاهتمام الدولي والعربي البالغ بتلك التسريبات، المنسوبة إلى توجيهات أمنية مصرية، أنها تسلط الضوء على ازدواجية المواقف بين ما هو معلن وما هو فعلي في قضية القدس ومستقبلها.
هناك من رأى فيها تخلياً مصرياً عن القدس واعترافاً ضمنياً بقرار ترامب، وكان ذلك داعياً لحملات إعلامية وسياسية استخدمت فيها كل الاتهامات وشرعت خلالها كل الأسلحة. وهناك من رأى فيها فرصة أمام إسرائيل لإثبات أن تهويد القدس مسألة وقت وأن دولاً عديدة في أوروبا والعالم العربي نفسه سوف تنقل سفاراتها إلى المدينة المقدسة ــ كما توقع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في أعقاب قرار ترامب.
لا يمكن استبعاد العامل الإسرائيلي في أسباب عناية «نيويورك تايمز» الفائقة بقصة مشكوك في صحتها تفتقر إلى دليل قطعي على أن «ضابط التوجيهات» شخصية حقيقية وليست منتحلة.
هل هناك في أحد الأجهزة الأمنية الحساسة نقيب اسمه «أشرف الخولي»؟ وهل الصوت الذي تضمنته التسريبات له أم لغيره؟ وهل كانت هناك علاقات سابقة بين الضابط المفترض والإعلاميين الذين أصدر توجيهاته لهم، أم أنهم اعتادوا تلقي التعليمات، بغض النظر عن الأسماء والرتب؟
أين الحقيقة بالضبط؟
تحت ظلال التسريبات، يستلفت الانتباه صغر سنّ المتصل، ورتبته التي لا تخوّله رسم السياسات العامة لأجهزة حساسة في موضوعات بالغة الخطورة كالوضع القانوني للقدس. إذا كانت الشخصية حقيقية، فمن الذي كلفه؟ وعلى أي أساس؟
التساؤلات لا تتوقف وعلامات التعجب بلا حصر.
لو افترضنا صحة ذلك الاحتمال الخطير، فلا بد ــ بدواعي التفكير في كل المخاطر الماثلة ــ أن يتبعه سؤال عما إذا كان هناك اختراق ما وراء التسريبات يستدعي البحث فيه بكل جدية وألا تستبعده التحقيقات، التي أمر بفتحها النائب العام.
ثم من سرب التسجيلات إلى الصحيفة الأميركية؟ وكيف وصلت إلى محطة فضائية تبثّ من إسطنبول؟ هل من المصدر نفسه الذي سرّبها إلى «نيويورك تايمز»؟
وكم تقاضى من ثمن؟
باعتراف أحد برامج «التوك شو» بمحطة فضائية أخرى تبثّ من المدينة التركية نفسها، فإنه قد عرض عليها شراء تلك التسريبات مقابل ثلاثة آلاف وخمسمئة دولار جرى تخفيضها إلى ألفين وخمسمئة دولار، غير أنه لم يتم الاتفاق باعتقاد أن المادة سوف تكون متاحة عندما يبثها الآخرون.
يقال ــ عادة ــ إنه لا جديد تحت الشمس، فقد شهدت مصر عند مطلع خمسينيات القرن الماضي قصة مشابهة رغم تناقض أهداف أبطالها. عندما ألغى مصطفى النحاس باشا زعيم «الوفد» ورئيس الوزراء اتفاقية 1936، التي وقّع عليها هو نفسه، سأله صحافي شاب متخرج حديثاً في الجامعة الأميركية: ما الخطوة التالية؟ أجابه: الكلمة الآن للشعب.
تدفق الفدائيون على الإسماعيلية، حيث معسكرات الاحتلال البريطاني، وكان الصحافي الشاب سعد زغلول فؤاد نفسه على صلة وثيقة بهم، وشخصيته تقارب إلى حد كبير بطل مسلسل «فارس بلا جواد»، الذي أدى بطولته محمد صبحي وأثار جدلاً واسعاً.
في تلك الأيام، تخفى في شخصية مراسل لصحيفة أميركية اختلق اسمها «همر ديلي نيوز» وأطلق على نفسه في بطاقة مزورة «سبنسر دريل»، محاوراً زعماء أحزاب ومفكرين عن موقفهم من شعارات الجلاء بالسلاح وما قد يتبع خروج قوات الاحتلال.
بدت الإجابات كاشفة لما هو مستور من مواقف حقيقية، قال أحد زعماء الأحزاب إن بقاء القوات البريطانية في مصر كفيل بضمان أمنها واستقرارها، وطالب آخر بزيادة أعداد قوات الاحتلال عشرة أضعاف. وكانت الفضيحة مدوية عندما نشرتها صحيفة «الجمهور المصري» لا الصحيفة الأميركية المُدّعاة.
رغم اختلاف الأزمان والأبطال والأهداف، فإن قصتَي «نيويورك تايمز» و«الجمهور المصري» تجمع بينهما الفكرة نفسها في الإيقاع بآخرين لهم خلفيات وتصورات تناقض ما يعلنونه. بمعنى آخر، فإن تسريبات «نيويورك تايمز» أقرب ما يكون إلى استثمار استراتيجي في الخلل الإعلامي والتدخل الأمني بذات قدر أوضاع الارتباك في السياسة الخارجية المصرية. من مظاهر الارتباك سحب مشروع قرار عربي قدمته مصر إلى مجلس الأمن باعتبارها عضواً فيه يدين المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بطلب من دونالد ترامب، قبل أن تصوّت لمصلحته.
ومن مظاهر ذلك الارتباك الحماسة البالغة لما أطلق عليها «صفقة القرن» من دون أن تحكمها أي مرجعيات دولية رهاناً على الرئيس الأميركي من دون تحسّب لمغبة تبنيه الرواية الإسرائيلية في أشد صورها تعصباً وعنصرية.
وقد كانت الضحكات المتبادلة مع نتنياهو داعياً إضافياً لتصديق تسريبات «نيويورك تايمز». هكذا يتلخص وجه الخلل في أمرين، التدخل الأمني في الإعلام كما لم يحدث من قبل، وارتباكات السياسة الخارجية.
ذلك يحتاج إلى تصحيح وردّ اعتبار السياسة في هذا البلد وبناء سياسته الخارجية وفق أمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية، وإلا فإن انكشافه على الأخطار سوف يكون بلا حد وسقف.
* كاتب وصحافي مصري