في عقد التسعينيات وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية في العالم، اشتعلت موجة المنظمات غير الحكومية، ونُبِشت تعريفات المجتمع المدني والدولة المدنية من أدبيات هوبز ولوك وغرامشي وماركس وروسو، ولكنها في الحقيقة وُظِّفت في سياقات أخرى لم تكن على صلة لا بالسياقات التاريخية لما أنتجه هؤلاء، وأحياناً لم تكن حتى على صلة بالفرضيات على تجريدها.


فأنطونيو غرامشي (منظّر البنية الفوقية) ناقش مفهوم المجتمع المدني، ووضع الأحزاب والنقابات على رأس منظماته (الأمير الحديث)، وناقش أهمية اضطلاع هذه المؤسسات بمهمات تؤديها عادة مؤسسات الدولة الأيديولوجية (الإعلام، نشر الوعي، التعليم). وعلى النقيض من ذلك، استخدِمت «منظمات المجتمع المدني» لاستبدال الأحزاب والنقابات في التسعينيات، كي تستبدل ما هو راديكالي بالإصلاحي، وتستبدل شعارات استلام السلطة بشعارات العمل معها، وتساهم أيضاً في تفكيك المجتمعات وتسخين القضايا الإشكالية فيها.


خلق نموذج ديموقراطي اجتماعي للمملكة خارج الإطار العربي خيالٌ سياسي


منذ ذلك الوقت واستخدام شعار «المدنية»، دولة أو مجتمعاً أو منظمات، يثير حساسية عالية وريبة ما، وبالتحديد لدى التيارات اليسارية والقومية الراديكالية. في كل الأحوال، كانت الموجة الثانية للمصطلح خلال أحداث «الربيع العربي»، فابتداء من توظيفها في تغيير الأنظمة كما تبتغي الدول المانحة، إلى مواجهة تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم السياسي، إلى اعتبارها البديل الموضوعي عن الانحيازات الطائفية والقبلية والعشائرية، إلى توظيفها في أجندات توطين وغيرها، وصولاً إلى أن تطاول أحياناً نقد حركات المقاومة الإسلامية في المنطقة بوصفها حركات إسلامية وليست مدنية... في خضم كل ذلك، يُعلن تأسيس حزب سياسي جديد في الأردن تحت عنوان «التحالف المدني»، فهل ثمة مخاوف ما؟ سؤال يستحق البحث والتمحيص، ولا سيما أن نتائج حوار على هذه الشاكلة لا تفضي إلى نتائج أردنية خاصة تماماً، وإنما يمكن إسقاط عدد منها على المنطقة أيضاً.

«التحالف المدني» في الأردن

بادر التحالف منذ انطلاق دعايته مباشرة إلى الرد الاستباقي على المخاوف أو «الاتهامات» المتوقعة، التي بدأت أوساط السياسة والثقافة في تداولها أصلاً، ومن ذلك:
ــ أولاً: هل هو تيار مؤسس على عداء مباشر مع الدين؟ تصريحات التيار لا تقود إلى نتيجة على هذه الشاكلة. التصريح الواضح كان يتعلق برفض استغلال الدين في الحياة السياسية وقبوله كمكون اجتماعي تاريخي، ولا نعرف هل حدود ذلك الموقف تتضمن أيضاً رفض تأسيس حزب على أساس ديني أم لا. على أي حال، الموقف الرافض لوجود حزب ديني لا يمثل الموقف العلماني الأصيل، فالرابطة العقائدية التي تجمع أفراد أي مجموعة (حزب، حركة، جيش، نظام... إلخ) تمثل «ديناً» على المستوى العملي، المهم أن تكون هذه الرابطة، وبقدر ما تعزز تماسك المجموعة الداخلي، ترفض الاعتداء على الروابط الأخرى إلا في سياقات كبرى كتحرير الأرض من المستعمر، وإلغاء الاستغلال الطبقي، وما يشبه ذلك. خارج هذه السياقات الكبرى قد تتحول المدنية نفسها إلى سلفية أو تكفيرية تحاول إقصاء التيارات الأخرى، أو تتحول إلى تعبير عن موقف شكلي وسطحي.
ــ ثانياً: هل هو تيار مؤيد للتطبيع؟ في سياق الرد على الادعاءات المبكرة والموجهة لـ«التحالف»، بوصفه حزب الرجل الواحد (الدكتور مروان المعشر)، يأتي الرد على شاكلة كاريكاتورية في الفيلم التعريفي القصير لـ«التحالف»، يأتي الرد على لسان المعشر نفسه («لن يكون ذلك حزب الرجل الواحد»). في الوقت نفسه، يعبر التحالف عن نفسه حزباً بلا قيادات، وهي الحالة التي لم يعرفها التاريخ إلى اللحظة، فمن الممكن أن يتأسس حزب دون زعامة الرجل الواحد، ولكن التاريخ الحديث لم يقدم إلى اللحظة نموذجاً ناجحاً في حزب بلا قيادة، ويطاول هذا التوصيف الأحزاب في أوروبا وأميركا أيضاً.
وبما أن صيغة الحزب بلا قيادة هي صيغة مثالية وغير واقعية، فمن الطبيعي أن تتصاعد مخاوف متعلقة بما هو واقعي، فالمعشر إن لم يكن الرجل الواحد، فهو واحد من الرجال. المخاوف تتعلق بالملف الشخصي للرجل، من هندسة اتفاقية السلام مع إسرائيل، إلى تمثيل الأردن ديبلوماسياً كسفير في إسرائيل، إلى العمل في «مركز كارنيغي للسلام»، إلى المشاركة في الحكومة صاحبة أكبر عدد من القوانين المؤقتة. هنا من الطبيعي أن ترفع تلك المعطيات منسوب الأدرينالين عند الجمهور حيال الموقف المتوقع لهذا التيار من إسرائيل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقف من التطبيع لا يمكن قياسه وضبطه على إيقاع الموقف من قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الأخير، فالجميع يعلم أنه قرار غير قابل للنقاش عربياً وعالمياً.
لكن، هل يمكن لهذه «المدنية» أن تتمدد مستقبلاً لتقول: «على أرضية المساواة في الحقوق والواجبات، فلا مانع من التوطين»، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المساواة في الحقوق والواجبات موقف لا نقاش فيه، ولكن مؤداه السياسي والنفسي الجماهيري محل نقاش بالدرجة نفسها من التأكيد. وهل يمكن أن تتمدد المدنية لترفض الموقف المقاوم لإسرائيل بحجة أن من يقوده حركات إسلامية وليست على مقاس المسطرة «المدنية» للتحالف؟
ــ ثالثاً: من يمثل هذا التيار؟ الكاريكاتورية والمبالغة في الصيغ المباشرة كانت الثيمة الرئيسية للفيلم التعريفي الخاص بالتيار، فحين يوصف بأنه حزب الرجل الواحد (حزب مروان المعشر) يأتي الرد على لسان المعشر نفسه، وحين يوصف بأنه يمثل فئة «يمين مسيحي»، يكون الرد بانضمام امرأة محجبة في الأفلام، وحين يوصف بأنه لا يمثل سكان القرى، يروج بكثافة لمتحدثين من المحافظات. في كل الأحوال، ليس من الممكن دحض الادعاءات على هذه الشاكلة، والمدة المقبلة قد تكشف المزيد من التفاصيل، ولكن النظرة الانطباعية لمكونات اللقاءات التأسيسية تعطي إشارات بتعبير هذا التيار عن الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى العليا العمّانية بالمقام الأول إضافة إلى إمكانية تحول التحالف إلى إطار أعمال مشتركة بين الأفراد (Business platform).
ــ رابعاً: عن معنى السوق الاجتماعي. يعلق أحد أعضاء التيار، الأستاذ جميل النمري، أن المدارس الاقتصادية الموجودة الآن هي اقتصاد السوق الحر، والكينزية، ويدفع النمري بخيار السوق الاجتماعي والديموقراطية الاجتماعية. في كل الأحوال الديموقراطية الاجتماعية هي صافي نتيجة تطور البرجوازية الأوروبية، وصراع النقابات العمالية الأوروبية إلى أن حصّلت ما حصّلته للطبقة العاملة من مكتسبات. وتقوم هذه المكتسبات في المقام الأول على معادلة كون الدولة الأوروبية رأسمالية خارج حدودها، وتنزع للاشتراكية داخلها، أي أن النموذج الديموقراطي الاجتماعي في أوروبا تأسس على فائض أرباح الشركات من مناطق أخرى (الأردن إحداها بالمناسبة)، وتوظيفه في برامج رعاية اجتماعية في الداخل للمتعطلين عن العمل والتأمينات الصحية وغيرها. أما محاولة خلق نموذج ديموقراطي اجتماعي في بلد صغير كالأردن، خارج إطار وحدته مع محيطه العربي، فهو محض خيال سياسي، لا يقترب من واقعية المطالبة بانضمام الأردن إلى مشروع قومي عربي محيط في إطار سوق عربية مشركة واقتصاد موجّه!

من يجيب عن المخاوف؟

وحدهم مؤسسو التيار يستطيعون الإجابة عن مخاوف مشروعة من هذا القبيل، مخاوف قد لا تكون على صلة بالمدنية كمفهوم، ولكن في سياقات عرضها وتوظيفها. كيف يمكن تجاهل «البروفايل» الشخصي للدكتور المعشر في ما يتعلق بالسلام مع إسرائيل؟ هل ثمة تصريحات قادمة تطمس ذلك؟ ما ضمانة منع «المدنية» من الانزلاق ضد المقاومة الإسلامية ومشروعها السياسي المقاوم؟ ما ضمانة ألّا تنزلق المدنية إلى بنود «صفقة القرن»؟
الإجابات الفضفاضة والعامة لا تكفي في حقبة الانحيازات الواضحة!