حتى ساعات الفجر الأولى من صباح السبت، كان مشهد التحالفات الانتخابية في العراق مغايراً لما أنتجته «نقاشات» الأمس. رئيس الوزراء حيدر العبادي، يوقّع اتفاقاً مع الأمين العام لـ«منظمة بدر» هادي العامري، على تشكيل «ائتلاف نصر العراق»، بعد تبدّد «آمال ولادته»، والذي وصفه بيانٌ صادر عن الأوّل بأنه «عابرٌ للطائفية والتفرقة والتمييز»، داعياً «الكيانات السياسية العراقية للانضمام إلى الائتلاف الجديد، والذي من شأنه أن يتوّجه الإعمار، والإصلاح، والمصالحة المجتمعية».


ساعاتٌ، ويلتحق زعيم «تيّار الحكمة» عمّار الحكيم، بـ«سفينة نوح»، بوصف مصدرٍ عراقيّ بارز. هذه «السفينة»، ضمّت مع إغلاق «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات»، الباب أمام إجراء «التعديلات» النهائية على التحالفات الانتخابية، أكثر من عشرين كياناً سياسياً، يدور معظمهم في الفلك الإيراني.
وقال العبادي إن «ائتلاف النصر سيمضي قدماً بالحفاظ على النصر وتضحيات الشهداء والجرحى، والوفاء لمواقف الأبطال في سوح القتال»، مشيراً إلى أنه تحالفٌ لـ«محاربة الفساد والمحاصصة بجميع أشكالها، والاعتماد على الكفاءات الوطنية المخلصة». ولفت إلى أن «الائتلاف سيعمل لكل العراقيين، ويعزّز وحدة البلاد وسيادتها الوطنية، ويصحّح المسارات الخاطئة، ويحقق العدالة والمساواة بين العراقيين في الحقوق والواجبات».
بهذه العبارات المنمّقة، عبّر العبادي عن حال قائمته، لكن أحداث الساعات الأخيرة تشي بأن عاصفةً إيرانية هبّت لإعادة تشكيل خريطة التحالفات، بالطريقة التي تراها مناسبة. صباح السبت، وصل قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» قاسم سليماني، إلى العاصمة بغداد، لوضع اللمسات الأخيرة على تحالفٍ أرادته طهران، وأساسه «العبادي ــ الحشد (الشعبي)»، بعدما وصلت مفاوضات اللجان المشتركة إلى حائطٍ مسدود، وإعلان كُلّ من العبادي والعامري، وحلفائهما، خوض الانتخابات التشريعية والمحليّة من خلال قوائم منفردة.


أرادت طهران
إلحاق جميع حلفائها
بقائمة حيدر العبادي

أثمرت «التمنيات» الإيرانية، بعد نقاشات «طويلة» عن تحالفٍ ذي لونٍ واحد، عماده المكوّن الشيعي، وبعض المؤيدين المستقلين من المكوّنات الأخرى، وخاصّةً أن المكوّنين «السُنّي» من جهة، و«الكردي» من جهةٍ أخرى، عازمان على إنتاج زعامات جديدة نظراً إلى شكل التحالفات التي أبرمت بالأمس. وبالعودة إلى تحالفات «البيت الشيعي»، ارتكزت رؤية طهران على «لم شمل الجميع»، باستثناء رئيس الوزراء السابق، والنائب الأوّل لرئيس الجمهورية نوري المالكي، في خطوةٍ حسمت التكهنات لدى معظم الأوساط السياسية العراقية عن نية طهران «كسر/ عزل حليفها الأوّل في بلاد الرافدين».
ووفق معلومات «الأخبار»، أرادت طهران إلحاق جميع حلفائها بقائمة العبادي، وعلى رأسهم العامري، الذي رفض بدوره ضم زعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر، وعمار الحكيم، إلى التحالف. اقتنع العامري، في نهاية المطاف، بضرورة التحاق الحكيم، والصدر وحلفائه من «التيّار المدني» و«اليساريين»، والتكنوقراط والمستقلين، إلا أن الصدر نفسه رفض الانضمام إلى هذا التحالف، «طالما الحشد موجودٌ فيه». بدوره، انضم الحكيم إلى التحالف «ضمن الضوابط التالية»، وفق تعبير مدير مكتبه صلاح العربي، الذي أكّد في حديثه إلى «الأخبار» أن «التحالف هويته وطنية، يستقطب قوىً وطنية (سُنّية، وشيعية، وكردية) للمضي ببناء التكتل العابر للطائفية أولاً؛ وأساسه برنامج هادف لبناء الدولة العراقية ثانياً؛ وتشاركي في اتخاذ القرارات، وتحديد المسارات، وصنع السياسات ثالثاً».
امتعض الصدر من تشكيل هذا التحالف، فخرج ببيانٍ ناري، انتقد فيه ما جرى، معتبراً أن «العجب كل العجب لما سار عليه العبادي، وكنّا نظن به أول دعاة الوطنية والإصلاح»، مؤكّداً أنه لن يدعم سوى «القوائم العابرة للمحاصصة». وعزّى الصدر الشعب العراقي بعد «الاتفاقات السياسية البغيضة، من تخندقات طائفية مقيتة لتمهّد إلى عودة الفاسدين مرة أخرى»، موضحاً أنه «عُرض علينا الالتحاق، ورفضنا ذلك رفضاً قاطعاً».
امتعاض الصدر من هذا التحالف يتقاسمه مع العديد من القوى والتيارات، ليس فقط من هم خارجه فقط، إنما من المنضوين تحت رايته أيضاً. امتعاض ثانٍ يبديه مقرّبون من العبادي، فـ«قائمتنا فائزة»، وفق استطلاعات الرأي ومزاج الشارع المؤيّد لإنجازاته في القضاء على «داعش» واستعادة معظم المناطق المتنازع عليها مع الأكراد، وحربه على الفساد. هذا «الفوز»، الذي تراه طهران منطقيّاً، سينجم عنه ولاية ثانية، يوجب «إلصاق» حلفائها به، فـ«وقع ما جرى... ودخول الجميع بهذه الكثرة مردّه سرقة النصر منّا». وإن وصف البعض ما حدث بـ«واقعة سفينة نوح»، فإن آخرين ــ من المقرّبين من العبادي ــ يصفون ذلك بـ«الجمعية الخيرية»، باعتبار أن المنضوين في قائمته سيحصدون المقاعد بناءً على أصواتٍ قُدّمت لهم بالمجّان.
أما الامتعاض الثالث، فكان من نصيب المالكي. غُيّب الرجل عن التحالف، بمعزلٍ إن كان ذلك عن قصدٍ إيرانيّ أو لا. قُدّمت له عروضٌ عدّة، لكنه رفض ذلك، «بناءً على المناكفات السياسية الماضية، كيف تطلبون مني أن أتحالف معه؟ (قاصداً العبادي)»، تنقل مصادره، التي تؤكّد في حديثها إلى «الأخبار» أن القضية ليست «ركوب سفينة... فالتحالف يقتضي بلورة رؤيةٍ سياسية واضحة، لا تُشكّل في ساعات معدودة».
وتأتي الامتعاضات الأخرى، من القوى السياسية المشكّلة لـ«الحشد» والمكوّنات في درجاتٍ متفاوتة، مع خشية القوى «السُنّية» و«الكردية» من «اكتساح» هذا التحالف معظم مقاعد البرلمان، وهو أمرٌ «لا يمكن مواجهته، مع فشلنا في تشكيل لوائح تعبّر عن طائفتنا من جهة، وعجزنا عن اللحاق بتحالف العبادي المدعوم من إيران من جهةٍ ثانية، في ظل غياب الرعاية الإقليمية حالياً لسُنّة العراق وأكراده»، يقول مصدرٌ مقرّبٌ من رئيس البرلمان سليم الجبوري، في حديثه إلى «الأخبار». وإلى أن تُجرى الانتخابات، في 12 أيّار المقبل، ثمّة سؤال مطروح «ما هو رأي النجف»، في إشارةٍ إلى المرجعية الدينية العليا (آية الله علي السيستاني)، وخصوصاً أن عارفيه يرفضون أي «تمثيل طائفي محدّد»، لا يعبّر عن مختلف الأطياف. ويذهب البعض هنا، في تفسير موقف الصدر الناري، الى أنه «ترجمة غير مباشرة لرأي المرجعية لما جرى»، وخاصّةً أنها في قلب المشهد، وغير بعيدةٍ عما يدور في الأروقة السياسية، على أن «تحمل الأيام المقبلة موقفاً واضحاً يحدّد خريطة الطريق».