يبالغ الإماراتيون في تقدير حجم القوة المتوافرة لديهم. في ظنهم أن «علمانيتهم» المفترضة قبالة طائفية السعودية، و«عالمية» عاصمتهم أبو ظبي، وقدرتهم المالية على ابتياع مواقف وشخصيات وتشكيل لوبيات، وأداء سفيرهم الشاب «الأكثر سحراً وتأثيراً» في واشنطن يوسف العتيبة...


أن تلك العوامل جميعها تتيح لهم إخضاع دول وتبديل هويات أخرى وتغيير سياسات قسم ثالث. يعزّز «غرورَهم» ذاك، أن الأمير الصاعد في السعودية، محمد بن سلمان، انطلت عليه؛ لـ«طيشه» وتعجله الوصول إلى العرش، تلك المبالغات، فأسلم لولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، زمام القيادة، حتى ينقل المملكة من ضفة إلى ضفة، ويخلي الجزيرة العربية من «التمرد» اليمني والتمايز الكويتي و«التآمر» القطري و«الاستثناء» العماني. لكن إلى أين آلت الخطط الإماراتية لجعل «المحمدين» سيدَي الجزيرة دونما منازع؟
في اليمن، وتحديداً في الشق الذي باتت تعتبره الإمارات «مستعمرة صافية» لها، تتسارع التطورات المنبئة بانقلاب دراماتيكي في المزاج العام ضد أبو ظبي، بعدما بات واضحاً لمن كانوا حتى فترة قريبة ينافحون عن السياسات الإماراتية ويرفضون أي مساس بأربابها، أن أبو ظبي لا تريد لليمنيين الجنوبيين إلا البقاء «متسولين على أبواب الهلال الأحمر الإماراتي»، على الرغم من امتلاكهم ثروات ومرافق حيوية وأيادي عاملة. في جنوب اليمن أيضاً، إنما على الحدود مع عمان التي تكتم خشية متقادمة من الوجود السعودي - الإماراتي في هذه البقعة، يتزايد رفض «المهريين» (سكان محافظة المهرة) الذي يرفعون صور السلطان قابوس في مناطقهم ويحتفلون بالعيد الوطني العماني سنوياً، لـ«غزو» الرياض وأبو ظبي لمحافظتهم، باعثين برسالة واضحة إلى المملكة والإمارات التي لم يعد تحريضها على عمان في الدوائر الأميركية مجرد تكهنات، بل أضحى حقيقة تتحدث بها مراكز الدراسات الأميركية التي تقول إن ثمة «اتجاهاً متزايداً نحو إجبار الدول الخليجية على الانحياز إلى طرف ما في النزاع السعودي - الإيراني»، وإن «سلطنة عمان لا تُستثنى من ذلك».
على خط الأزمة الخليجية المتواصلة منذ حزيران/ يونيو 2017، تثبت القيادة الإماراتية مزيداً من الفشل في أدائها، بعدما أصرّت على تحويل قطر من مجرد «مناكِف» من تحت الطاولة، إلى عدو معلَن لا يملك إلا أن «ينفتح» على «خصوم خصومه» أينما وجدوا، في خطة يعتقد أنها أسلوب المواجهة الأنسب.


نفت القيادة الأميركية
علمها باعتراض طائرة
في الخليج
هذا الفشل يحمل أبو ظبي على اتخاذ خطوات أشبه ما تكون بـ«فشة خلق»، إلا أنها تحمل في طياتها نُذُر تصعيد، لا يزال العنصر الأميركي، في ضوء ما ظهّرته الساعات القليلة الماضية، حائلاً من دون انفلاته. لكن غياب الإرادة الأميركية الجادة في إيجاد حل للأزمة يرفع منسوب المخاوف الإقليمية من «زلة» إماراتية - سعودية ربما تشابه «ناقة البسوس التي أشعلت حرباً بين العرب دامت أكثر من 40 سنة»، على حد توصيف خطيب مسجد زايد في الإمارات لـ«حادثة اعتراض طائرة إماراتية من قبل مقاتلة قطرية» يوم أمس.
يعزز المخاوف المتقدمة استشعار أبو ظبي، ومعها الرياض، إخفاقاً ذريعاً في تصنيع «معارضة قطرية» تكون ذراعاً لهما بوجه «نظام الحمدين» (حمد بن خليفة وحمد بن جاسم) الذي تعتقدان أن لا استقرار لهما إلا بإزاحته. حتى رجل الأعمال القطري الذي يتخذ من لندن مقراً له، والذي حاولت السعودية والإمارات تعويمه بوصفه «صوت العقل الذي فتح له القطريون قلوبهم»، انتهى به الأمر محتجزاً في أبو ظبي، بعدما فشلت، على ما يبدو، خطة تصديره نداً ومنافساً للأمير الحالي، تميم بن حمد، في دور مطلوب ربما وجد الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، المتزوج بسعودية، نفسه عاجزاً عن القيام به.
العجز عن بلوغ هدف تقويض النظام القطري بخطة تحمل القليل من علامات النباهة، يضع الإمارات، وإلى جانبها السعودية، في موضع الباحث عن «انتقام لنفسه»، والمستدرِج ردوداً يأمل أن تنهي الـ«ستاتيكو» الذي يحكم مسار الأزمة منذ اندلاعها. لكن التعليقات الأميركية على إعلان السلطات الإماراتية «اعتراض طائرتين تابعتين لها» في الخليج، أوحت أن هذا الجمود لا يزال مطلوباً، وأن «معاقبة قطر» يجب أن تظل تحت سقف ما شهدته الأشهر الماضية.
وأعلن البيت الأبيض، مساء أمس، في بيان، أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أجرى اتصالاً هاتفياً بأمير قطر شكره فيه على «إجراءات مكافحة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله». وأشار البيان إلى أن «ترامب جدد دعمه لمجلس تعاون خليجي قوي ومتحد يركز على التصدي للتهديدات الإقليمية»، مضيفاً أن «الزعيمين بحثا مجالات يمكن الولايات المتحدة وقطر المشاركة فيها لتعزيز الاستقرار في المنطقة والتصدي للنفوذ الإيراني وهزيمة الإرهاب». موقف، على «إيجابيّته»، لا يمكن التعويل عليه في إحداث تحول في مسار الخلاف، بالنظر إلى تقلب مواقف ترامب من الأزمة منذ اندلاعها، وانحيازه في الأصل إلى جانب دول المقاطعة بحسب ما ثَبَت بدلائل عدة، كان آخرها ما ورد في كتاب «نار وغضب» الذي أكد أن الرئيس تجاهل نصائح مستشاريه، مانِحاً السعودية ضوءاً أخضر لـ«ممارسة البلطجة» ضد قطر.
لكنّ مؤشراً أميركياً آخر تبدّى يوم أمس، أوحى أن واشنطن لا ترغب في تصاعد الأزمة الناشبة على خلفية اتهامات متبادلة بخرق الأجواء وانتهاك سلامة الطرفين. إذ أعلنت القيادة الأميركية في قاعدة العديد أنها لم تتلقّ أي تقارير بشأن اعتراض طائرة مدنية في أجواء الخليج، في ما بدا نفياً لحديث الهيئة العامة للطيران المدني الإماراتي عن «اعتراض مقاتلات قطرية طائرة مدنية إماراتية خلال رحلة اعتيادية إلى المنامة، عاصمة البحرين»، صباح الاثنين. واعتبرت الهيئة ذلك «تهديداً سافراً وخطيراً لسلامة الطيران المدني، وخرقاً واضحاً للقوانين والاتفاقات الدولية»، مؤكدة أن الإمارات «ستتخذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة لضمان أمن حركة الطيران المدني وسلامته».
ولم تكد تعلّق وزارة الخارجية القطرية على لسان المتحدثة باسمها، لولوة الخاطر، بالنفي على تلك «المزاعم» الإماراتية، واصفة إياها بأنها «عارية من الصحة تماماً»، حتى عادت الهيئة العامة للطيران الإماراتي لتعلن «اعتراض المقاتلات القطرية طائرة مدنية ثانية خلال مرحلة نزولها إلى مطار البحرين الدولي في رحلة اعتيادية»، ما أبقى مستويات التوتير عالية بين البلدين. وكانت «أزمة الأجواء» قد بدأت يوم الجمعة الماضي مع إعلان قطر اختراق طائرة عسكرية إماراتية مجالها الجوي في 21 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وهو ما نفته أبو ظبي، معتبرة الشكوى القطرية بشأنه إلى الأمم المتحدة «تصعيداً غير مبرر».
ويأتي تجدد هذه الأزمة في وقت تتواصل فيه تداعيات التسجيل المصور الذي انتشر، أول من أمس، للشيخ القطري، عبد الله بن علي آل ثاني، وهو يعلن أنه محتجز في أبو ظبي. وبعدما بادرت وزارة الخارجية الإماراتية إلى نفي صحة ما ورد في التسجيل، مُعلنة، بصيغة ملتبسة، أن آل ثاني «أبدى رغبته في مغادرة الدولة، حيث جرى تسهيل كافة الإجراءات له دون أي تدخل يعيق هذا الأمر»، جاءت تصريحات أقرباء الرجل لتضفي مزيداً من الغموض حول مصيره. ونقلت قناة «الجزيرة» القطرية عن خالد بن علي آل ثاني، شقيق «المختطف»، قوله إن الأخير «تدهورت حالته الصحية نتيجة الإجهاد والضغوط التي مورست عليه»، ومناشدته المجتمع الدولي المساعدة في تسفير أخيه.
في خضم ذلك التصعيد، وفي خطوة لافتة هي الثالثة له في غضون 4 أشهر، قام أمير قطر، أمس، بزيارة قصيرة استمرت يوماً واحداً فقط لتركيا، حيث التقى الرئيس رجب طيب أدروغان، وأجرى معه مباحثات مغلقة بعيدة عن الإعلام. وأشارت وكالة الأنباء القطرية الرسمية إلى أن المباحثات تناولت «سبل تعزيز التعاون الاستراتيجي القائم بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة». وتأتي زيارة تميم لتركيا بعد نحو شهرين من زيارة قام بها أردوغان للدوحة، حيث تفقد قاعدة الريان العسكرية التابعة لبلاده، وشهد توقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع قطر، مجدداً من هناك دعم أنقرة للإمارة «في مختلف المجالات، ولا سيما في المجالين الصناعي والعسكري».
وفي وقت تتعزز فيه العلاقات القطرية - التركية، تشهد العلاقات القطرية - الإيرانية هي الأخرى نمواً لافتاً، تجلت آخر مؤشراته في إعلان طهران نيتها زيادة التبادل التجاري مع الدوحة. وكشف مدير دائرة الموانئ والملاحة البحرية في ميناء «بندرلنكة» الواقع جنوب إيران، أول من أمس، عن مشروعين لتطوير الميناء من أجل تسهيل عملية النقل والشحن إلى قطر. وأشار قاسم عسكري إلى أنه منذ بدء التعاون التجاري ما بين هذا الميناء وميناء الرويس القطري جرى تصدير 1900 حاوية مواد غذائية ومحاصيل زراعية إلى قطر.




عدن وتعز لا تلينان: التعقيدات أكبر من قدرة أبو ظبي

لم تطابق حسابات حقل الإمارات، ومعها السعودية، سواء في المرحلة التي بلغت فيها خلافاتهما في اليمن ذروتها أو في مرحلة التهادن التي تعيشانها راهناً، حسابات البيدر اليمني شديد التعقيد، والذي تتجاوز صعوبات العمل فيه بأشواط حدود ما تراءى لأبو ظبي والرياض مع بدء الحرب. ولعل التطورات المتسارعة التي تشهدها محافظتا عدن وتعز تُعدّ أبرز مثال على ذلك. ففي مدينة عدن، التي وصلها قبل أيام العميد طارق محمد عبد الله صالح، في إطار محاولة الإمارات، بالتنسيق مع السعودية، لملمة شتات الرئيس السابق لتدعيم الجبهة المناوئة لـ«أنصار الله»، يتصاعد التوتر في غير اتجاه، منذراً بتطورات «سوداوية» بالنسبة إلى «التحالف» في مقبل الأيام. إذ تجد قيادة «التحالف» صعوبة في الجمع بين الوجوه التي تمثل إرث صالح، والتي ترى أنها أحق بالقيادة من «الشرعية العاجزة القابعة في الرياض»، وبين وجوه هذه الأخيرة التي تستشعر منذ بدء الحراك السياسي عقب مقتل الرئيس السابق ميلاً إلى تهميشها واستبعادها. يضاف إلى ذلك أن الشخصيات والمكونات الجنوبية تتجه، هي الأخرى، نحو تصعيد خطواتها المضادة لـ«التحالف»، بعدما تأكد لها أن تشكّل أي جبهة تضم «الإصلاحيين» و«مؤتمريي الخارج» برضا أبو ظبي والرياض سيكون على حسابهم.
أما في محافظة تعز، فتسود مخاوف من تزايد حدة الصراع بين التشكيلات المسلحة والميليشيات المتضاربة الأهداف والولاءات، بعدما بدأت الإمارات ما يبدو أنها حملة «تطهير» ضد كل ما يحمل طابعاً أو هوية قطرية، من إغلاق مكتب قناة «الجزيرة» في المحافظة، إلى رفع السواتر الترابية من ساحة الحرية التي كانت قد شهدت تظاهرات «ثورة التغيير» في عام 2011، إلى ترتيبات سياسية وإدارية أخرى متوقعة. ترتيبات يعزوها بعضهم إلى أن «الإصلاحيين» باتوا «محشورين في الزاوية» بفعل الضغوط السعودية - الإماراتية عليهم، لكن آخرين يتوقعون انقلاب المشهد لغير صالح أبو ظبي، مستندين في ذلك إلى «تمرّس الإصلاح في المراوغة السياسية»، فضلاً عن أن فصائل متعددة لن تقبل، بطبيعة الحال، الهيمنة الإماراتية على تعز.