بعد قرابة أربعة أعوام من الانتظار، انطلق البرلمان التونسي، أول من أمس، في المصادقة على قانون «مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال»، في ظل تنامي الخطر الإرهابي في البلاد وتصاعد الأصوات المطالبة بتسريع استصدار بنية تشريعية تساهم في استكمال الحرب ضد الجماعات المتشددة، خاصة أنّ قانون 2003 المقرّ زمن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والذي لا يزال ساري المفعول، يواجَه بانتقادات شديدة من قبيل انتهاكه الصارخ لحقوق المشتبه فيهم وتضييقه على الحريات.

ويوم الأربعاء، بدأت المناقشات في إطار جلسات عامة في البرلمان، ومن المقرر أن تنتهي اليوم. وبلغت النقاشات، أمس، حدود الفصل 35 من جملة 139 فصلاً، وسط جدل بخصوص بعض الفصول التي يرى فيها معارضوها انتهاكاً لحقوق الانسان وللحريات وأنها تتعارض والمبادئ الدولية. ووجهت انتقادات عدة أيضاً لاعتماد عقوبة الإعدام، التي تبنتها ثلاثة فصول (26 و27 و28).

وبشأن عقوبة الإعدام، قال رئيس «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، عبد الستار بن موسى، في حديث إلى «الأخبار»، «أرسلنا إلى مجلس النواب توصيات فور انتهاء لجنة التشريع من مناقشة المشروع وأشرنا إلى ضرورة حذف عقوبة الإعدام، المتعارضة مع المبادئ الكونية (الدولية) ومع حق الفرد في الحياة، خاصة أن تونس وقّعت على عدد من المعاهدات الدولية التي ترفض عقوبة الإعدام».

وجّهت انتقادات عدة لاعتماد عقوبة الإعدام التي تبنّتها ثلاثة فصول

ورأى بن موسى أنه «من المؤكد أن حكم الإعدام لن يُنفذ، ولكن التنصيص عليه يتعارض مع روح الدولة الديموقراطية التي ترسّخ حقوق الإنسان»، موضحاً أنّه «لم ينفذ في تونس أي حكم بالإعدام منذ عام 1991، وذلك بعد تنفيذ 135 حكماً بالإعدام منذ الاستقلال، بينها 129 في عهد (الرئيس) الحبيب بورقيبة».
وفضلاً عن الجدل حول عقوبة الإعدام، سبق لعدد من المنظمات الحقوقية الدولية، من بينها «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية»، أن أعلنت أن مشروع القانون، المنتظر المصادقة عليه برمته يوم غد (المصادف لذكرى تاريخ إعلان الجمهورية التونسية)، لا يحمي حقوق المشتبه فيهم في قضايا إرهابية، وأنه يحتوي على مصطلحات فضفاضة في تعريفه للجرائم الإرهابية وللأعمال المتصلة بها، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى الحد من حرية التعبير والصحافة، خصوصاً أن نظام بن علي كان يعتمد على نفس الصيغ القانونية الفضفاضة التي يمكن أن تطوّع لقمع المعارضين له وكمّ أفواه الصحافيين.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد ذكرت، في بيان صدر عنها بداية الشهر الحالي، أنّ المسودة الحالية لمشروع القانون، المرسلة إلى البرلمان في 26 آذار الماضي عقب وقوع الهجوم الإرهابي في متحف باردو، تبقي «على بعض أوجه القصور التي اتسمت بها المسودة السابقة، ومنها تعريف غامض وفضفاض للإرهاب، يسمح للحكومة بقمع طيف واسع من الحريات المحمية دولياً، إذ يمكنها (القانون)، على سبيل المثال، من التمهيد لملاحقة المظاهرات العامة التي تؤدي إلى الإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة (وفقاً للنص)، أو تعطيل الخدمات العامة، بتهمة الإرهاب». وقال إريك غولدستين، وهو نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنّ «ثمة بواعث قلق مشروعة لدى السلطات التونسية من النفوذ المتنامي لجماعات التطرف وأفراده، وما يشكلونه من تهديد للتونسيين والأجانب، لكن الواجب في قوانين مكافحة الإرهاب أن تلبّي المعايير الدولية لحقوق الإنسان، لا أن تستهزئ بها».
وفي سياق التعبير عن المخاوف حيال تهديد حرية عمل الصحافيين، رأى أمس نقيب النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، ناجي البغوري، أن حزب «نداء تونس» (حزب الرئيس الباجي قائد السبسي) يعمل على ضرب حرية الصحافة، وأن نوابه تعمّدوا «في حركة مفاجئة، استثناء الصحافيين من الاحتفاظ بالسر المهني الذي جاء بمقترح تعديل الفصل 35 من مشروع القانون».
وحمّل البغوري، في حديث إلى الوكالة التونسية للأنباء، البرلمان مسؤولية المس بحرية الصحافة عبر منع الصحافيين من حقهم في الاحتفاظ بالسر المهني وبسرية المصادر. وأشار إلى أن «النداء» بعدما «مكّن قتلة الشهداء ومن نهبوا أموال التونسيين من الإفلات من العقاب، يعمل على ضرب آخر مكسب للثورة التونسية، وهو حرية الاعلام».
ويرى خبراء ومشرّعون أنه رغم أهمية البنية التشريعية لمقاربة آليات وطرق مكافحة الإرهاب، إلا أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب ما لم تتم صياغة مقاربة شاملة تمتد على سنوات لتحصين الشباب، خاصة، من انتشار الفكر الجهادي. ويرى مدير «مركز الوطن العربي للأبحاث والنشر» المختص في الحركات الإرهابية، رياض الصيداوي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الأرضية (البنية) التشريعية مهمة في مكافحة الإرهاب، لكنها غير كافية»، معتبراً أنّ «مكافحة الإرهاب تبنى على استراتيجية شاملة تتضمن محاور قانونية... (كما) تشمل مقاربة اقتصادية واجتماعية وتربوية».