تونس | يبدو أن ما يُحكى عن حالة التوتر الخفي التي شابت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وتونس خلال المدة الأخيرة قد ظهرت وطفت على السطح إثر تصريحات الرئيس الفرنسي السابق زعيم حزب «الجمهوريين»، نيكولا ساركوزي، أثناء زيارته تونس بداية الأسبوع الحالي، والتي رأى فيها أنّ تونس «وقعت، للأسف، ضحية موقعها الجغرافي بين الجزائر وليبيا»، متسائلاً في الوقت نفسه عن «مستقبل الجزائر الاقتصادي والاجتماعي... الملف الذي يجب مناقشته في إطار الاتحاد من أجل المتوسط».


وأثارت هذه التصريحات استياءً ضمن الأوساط السياسية التونسية، وأزعجت جداً بطبيعة الحال الحكومة الجزائرية التي طلبت من سفارتها في تونس (استناداً إلى صحيفة البلاد الجزائرية) إعداد تقرير مفصل بفحوى تصريحات ساركوزي وبسياقها، وخاصة أنه كان مصحوباً حين قال ذلك بالأمين العام لحزب «نداء تونس» (الحزب الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي)، محسن مرزوق.

يعود أساس التوتر إلى شهر أيار حين زار الرئيس التونسي الولايات المتحدة

مرزوق، وهو المستشار السياسي السابق للرئيس الباجي قائد السبسي والرجل الأول في حزبه حالياً، فهم أن تصريحات ساركوزي ستخلق توتراً بين تونس والجزائر، فسارع إلى تحميل الرئيس الفرنسي السابق مسؤولية تلك التصريحات واعتبرها ملزمة له وحده. وقال إنّ «لكل شخصية دولية رأيها في عدد من المواضيع وهي مسؤولة عنه... مثلما (هي الحال بخصوص) تصريحات الرئيس ساركوزي أمام متحف باردو»، مضيفاً إنّ «هذا رأيه الخاص ويستطيع أن يناقشه مع المعنيين وأن يزورهم كما اقترح ويسمع منهم رأيهم إن رأوا ضرورة في توضيح رأيهم».
وتابع مرزوق قائلاً إنه «بالنسبة إلى دول مغربنا العربي الكبير والجزائر خاصة، قلنا ونكرر إن أمنهم أمننا وإن تونس التي يحكمها اليوم من شاركوا الجزائريين حربهم ضد الاستعمار... هي نفسها تونس التي تحارب معهم (اليوم) آفة الإرهاب وتتقاسم معهم تحديات الحاضر والمستقبل».
أما «حركة النهضة» المشاركة في الائتلاف الحكومي، فقد انتقدت تصريحات ساركوزي في بيان صدر عنها أمس، وقالت إنه «حمل إساءة لجيراننا (الجزائر)»، مضيفة إنها فوجئت بالتصريح «الذي وقع إطلاقه من بلادنا». وذكّرت الحركة في بيانها بأنه «ليس من عادات تونس ولا من مصلحتها أن تكون أرضاً للتدخل في شؤون الآخرين»، مؤكدة في الوقت نفسه «عمق العلاقات الأخوية وشرف الترابط التاريخي والجغرافي بين البلدين الشقيقين، تونس والجزائر، والشراكة الاستراتيجية بينهما».
وفي السياق، كان المتحدث الرسمي باسم «الجبهة الشعبية» (معارضة)، حمة الهمامي، قد اعتبر أنّ الهدف من زيارة الرئيس الفرنسي السابق لتونس «إثارة المشاكل مع الجارة الجزائر».

التوتر قديم
وفي ظل توالي ردود الفعل غير الرسمية على تصريحات ساركوزي، حاول البعض وضع إعلان الرئاسة الجزائرية، مساء الثلاثاء الماضي، عن توقيع الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، على قرار يقضي بمنح تونس قرضاً بقيمة مئة مليون دولار كانت قد أبرمته حكومتا البلدين في شهر آذار الماضي، في خانة محاولة إنهاء السجال القائم.
في الغالب، فإنّ تلك القراءة تبدو صحيحة، لكن في حقيقة الأمر إنّ التوتر الخفي أو الفتور بين تونس والجزائر لم يكن سببه المباشر تصريحات الرئيس الفرنسي السابق، بل يعود أساسه إلى شهر أيار الماضي حين زار الرئيس التونسي الولايات المتحدة، ووقع اتفاقية أمنية مع واشنطن التي منحت، بدورها، تونس صفة حليف رئيسي من خارج «حلف شمال الأطلسي»، وذلك دون إعلام تونس للجزائر رسمياً كما ذُكر.
وترافق الأمر مع انتشار أخبار في الصحف الجزائرية، سارعت السلطات الرسمية التونسية إلى تكذيبها، مفادها أنّ هناك وجود مشروع لإقامة قاعدة عسكرية أميركية في تونس.
وبرغم تأكيد الرئاسة التونسية والسلطات الرسمية، مرات عدة، عدم وجود أي نية لإقامة قاعدة أميركية على أرضها، أو حتى وجود طلب أميركي بهذا الخصوص، فإن الجزائر التي تربطها بتونس اتفاقيات أمنية وتنسيق أمني منذ أن تطور دور الجماعات الإرهابية على الحدود بين البلدين، يبدو أنها غير مقتنعة. وقد وصل الأمر إلى حد تلميح الوزير الجزائري للشؤون المغاربية وللاتحاد الأفريقي، عبد القادر مساهل، يوم الثلاثاء، إلى امتعاض بلاده من الموضوع. ورداً على سؤال صحافي إن كان وجود قاعدة عسكرية أجنبية في المنطقة يضاعف من ظاهرة التطرف، في إشارة واضحة إلى تونس، قال مساهل إنّ «الدولة القادرة لا تحتاج إلى قاعدة عسكرية أجنبية، وبإمكانها أن تضع وحدها الدواء اللازم في مكافحة الإرهاب والدفاع عن مصالحها الحيوية».
وفي حديث إلى «الأخبار»، رأى ممثل تونس السابق لدى جامعة الدول العربية، أحمد الهرقام، أنّ العلاقات التونسية ــ الجزائرية يمكن أن يشوبها الفتور أو التوتر، لكن لن يصرّح مسؤولو البلدين بذلك لعلمهم أنّ المصلحة الثنائية تقضي بإزاحة أي ضباب نظراً إلى ترابط المصالح الاقتصادية والأمنية خاصة.
وتابع الدبلوماسي السابق قائلاً إنه «كان من المفترض بتونس أن تتشاور مع الجزائر أو حتى إعلامها قبل توقيع أي اتفاقية أمنية مع أي بلد كان، وخاصة الولايات المتحدة، على اعتبار أنها جارتها الحدودية، وكل ما سيقع على أرض تونس سيكون له تداعيات على الجزائر والعكس صحيح»، مضيفاً «من المؤكد حين تعلم الجزائر بالاتفاقية وبفحواها عن طريق الإعلام بعد أسبوعين، فإنها ستنزعج كثيراً».
وخلص الهرقام إلى القول إن تصريحات ساركوزي فجرت التوتر، وخاصة أنه اعتبر أن الإرهاب يهدد تونس بسبب جيرانها بمن فيهم الجزائر، فيما لم يستدرك أي مسؤول ممن كانوا يرافقونه للتدخل بشكل مباشر وفوري «تعبيراً مثلاً عن فخر تونس بجوارها للجزائر»، ما كان سيؤدي في حينه إلى عزل حديث ساركوزي.