ليس أمراً جديداً، أو مفاجئاً، أن يجري جيش العدو الإسرائيلي مناورات عسكرية، بناءً على سيناريوات هجومية أو دفاعية، بل هو من مهمات الجيش التقليدية الذي إما يكون في حالة حرب أو يستعد للحرب. لكن أن تأتي المناورة التي كشف عنها موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» وفق فرضية مهاجمة مفاعلات نووية إيرانية، بعد الإعلان عن الاتفاق مع إيران، يعني أن إجراءها والكشف عنها ليسا فقط مجرد إجراء عملاني مهني، بل ينطويان على رسائل سياسية في العديد من الاتجاهات.

بغض النظر عمّا يعلنه وما لا يعلنه جيش العدو، فهو بالتأكيد يجري مناورات وتدريبات تستند إلى رؤى وتقديرات تتبناها القيادة العليا إزاء البيئة الاستراتيجية، وما تنطوي عليه من تهديدات وفرص. وانطلاقاً من ذلك يتم رسم سيناريوات عملانية متعددة، منها ما تكون فيه إسرائيل في موقع المهاجم والمبادر، ومنها ما تكون فيه في موقع الرد الذي قد يذهب بعيداً عن ظروف العمل الموضعي الذي تعرضت له، وفق أجندات سياسية وعسكرية محددة مسبقاً.

ولا يخفى أن هذه السيناريوات التي يفترض أن الجيش يعمل عليها، تشمل العديد من الساحات، من غزة والضفة، مروراً بلبنان وسوريا، وصولاً إلى إيران، إضافة إلى ساحات أخرى قد تكون أقل تهديداً، لكنها قد تصبح أكثر حضوراً على المستوى الميداني والإعلامي والسياسي.
مع ذلك، فإن العمل على رفع مستوى الجاهزية والاستعداد ينطلق من تحديد القيادة الإسرائيلية العليا ــ بشقيها السياسي والعسكري ــ لسلم الأولويات، في ضوء تعدد التهديدات ومحدودية القدرات.

الإعلان والكشف عن المناورة دون غيرها يعكسان تعمّد الإسرائيلي توجيه رسائل محدَّدة لكل من يعنيه الأمر من الأصدقاء والأعداء
في هذا المجال، يوجد نوع من الإجماع في الساحة الإسرائيلية حول حقيقة أن إيران تحتل رأس قائمة التهديدات المحدقة بإسرائيل، خاصة بعدما تم رفع العقوبات عنها، الذي سينعكس، وفق التقدير الإسرائيلي أيضاً، مزيداً من القوة العسكرية والاقتصادية لها ولحلفائها.
أيضاً، ممّا يعنيه إجراء هذه المناورات أن إسرائيل تتعامل بجدية تامة مع شعاراتها التي رفعتها حول أن إيران بعد الاتفاق أكثر خطورة على إسرائيل منها قبل الاتفاق، وبالتالي يمكن في ضوء ارتفاع مستوى التهديد الذي يمثله محور المقاومة الذهاب في المواجهة حتى النهاية مع إيران.
ولا يخفى أن هذه المناورة بالذات، وربما غيرها لم يتم الكشف عنها، تنسجم مع التقديرات والسيناريوات التي يتحدث عنها المستوى السياسي في إسرائيل حول إمكانية أن تبادر إيران في لحظة إقليمية أو دولية ما، إلى «وثبة نووية» تخرق فيه الاتفاق باتجاه إنتاج سلاح نووي، مع أن هذا الاحتمال هو مستبعد جداً، حتى وفق بعض التقديرات الإسرائيلية، كونه لا يتلاءم مع مصالح إيران العليا ولا مع المبادئ التي تلتزم بها.
في المقابل، يبقى الإعلان والكشف عن هذه المناورة دون غيرها من المناورات والتدريبات التي يفترض أن الجيش يقوم بها ــ تشمل سيناريوات هجومية ودفاعية تتصل بالكثير من الساحات القريبة والبعيدة ــ قضية قائمة بذاتها ولها دلالاتها، ومن أبرزها أنها تعكس تعمّد الإسرائيلي توجيه رسائل محدَّدة إلى كل من يعنيه الأمر، من الأصدقاء والأعداء.
من جهة، تريد إسرائيل أن تقول إن الاتفاق النووي لم يطمئنها، بل رفع مخاوفها بعدما انتزعت إيران شرعية دولية لحقيقة تحولها إلى دولة نووية، خاصة أنها ستواصل أبحاثها لتطوير أجهزة الطرد المركزي النووي لديها. والمؤشر العملي على اقتناعها بجدية هذه المخاوف أنها تستعد للسيناريو الأسوأ في هذا السياق.
كذلك يبدو أن إسرائيل تريد أن تؤكد أنها غير معنية بالاتفاق النووي بين إيران والسداسية الدولية، وبالتالي أرادت أن يكون الكشف عن هذه المناورة في سياق الحملة الإسرائيلية والداخلية الأميركية ضد الاتفاق النووي، والإيحاء لأصدقائها بأنها دخلت مرحلة جديدة بعد هذا الاتفاق، وتشعر بأنها باتت «وحيدة» في مواجهة التهديد الإيراني.
على خط مواز، أرادت إسرائيل توجيه رسائل للجمهورية الإسلامية بأن خيارها العسكري ما زال على الطاولة في حال حاولت خرق الاتفاق أو حتى الذهاب بعيداً في المواجهة مع إسرائيل. لكن ما ينبغي الإشارة إليه هو حقيقة أن المشكلة التي مثلت أمام إسرائيل، وأيضاً الولايات المتحدة، في مواجهة إيران عندما كانت تحقق القفزات تلو القفزات في تطوير برنامجها النووي، لم تكمن في أصل امتلاكهما القدرة على توجيه ضربات محددة لإيران، بل في المرحلة التي تلي هذه الضربات، وفي رد الفعل الذي سيطال عمق الكيان الإسرائيلي. وفي هذه الحالة، ماذا سيكون مصير المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا، ومصير الكثير من منشآتها الاستراتيجية. وبالتالي، فإن قوة الردع لإيران ولمحور المقاومة، تتجسد في القدرة على الرد بعد الاعتداء المفترض. ولو أن أحدهما أو كليهما، الأميركي أو الإسرائيلي، كان يضمن تحقيق النتائج المؤملة، مع أقل قدر من الأضرار، لما تردّدا في مهاجمة إيران.