إسطنبول | جاء تصعيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في عفرين، بعد أيام من الاعتراض التركي على العمليات العسكرية التي بدأها الجيش السوري وحلفاؤه في ريفي حلب وإدلب، حيث تتمركز قوات «جبهة النصرة» والفصائل المتحالفة معها. وكان هذا الاعتراض سبباً لفتور ــ وربما توتر جدي ــ في العلاقة بين أنقرة وموسكو، وهو ما استغلته واشنطن لتعلن بدءها تشكيل قوة «حرس حدود» تضمّ 30 ألف عنصر من «قوات سوريا الديموقراطية»، بما فيها «وحدات حماية الشعب» الكردية.


وجاء هذا الإعلان ليدفع أردوغان إلى التصعيد بعد أن هدّد وتوعّد واشنطن، ولكن من دون أن ينسى عفرين التي تبعد عن الفرات حوالى 110 كيلومترات، حيث القوات الأميركية على طول الحدود السورية مع تركيا، والتي تنتشر فيها الميليشيات الكردية الموالية لـ«حزب العمال الكردستاني»، وهذه المرة بكامل أسلحتها الأميركية الثقيلة. ولم تبال واشنطن بانتقادات أردوغان الذي قال إنه لن يتصل بنظيره دونالد ترامب، الذي يتهرب من الحديث معه. وهي رجّحت الأكراد على أنقرة، الحليفة الاستراتيجية للولايات المتحدة والعضو في «حلف شمال الأطلسي»، رغم وجود نحو 15 قاعدة عسكرية، وأهمها قاعدة «انجيرليك». وناشدت أحزاب المعارضة الرئيس أردوغان إغلاق هذه القاعدة إذا كان جاداً في تهديداته للولايات المتحدة، بدلاً من تهديداته لعفرين التي لا توجد فيها قوات أميركية. ولا تتجاهل تلك الأحزاب مساعي أردوغان لحماية «جبهة النصرة» وحلفائها في إدلب وجوارها، إذ اتهم، ومعه الإعلام الموالي له، الرئيس بشار الأسد بالعمل «على احتلالها». وظهر ذلك في تعاون الفصائل التي تدعمها أنقرة مع «جبهة النصرة» في حربها مع الجيش السوري.


جهد أردوغان لإقناع الأكراد السوريين
بالتمرد على الأسد


ولا يجد الكثيرون أيّ تفسير منطقي للموقف التركي في إدلب وعفرين السوريتين، على الرغم من اتفاق الرئيس أردوغان مع الرئيسين بوتين وروحاني على هذا الموضوع خلال قمة سوتشي التي باتت مهدّدة بعد أن ذهب «السلام القريب» في سوريا ضحية للعبة الأمم، التي كان وما زال سببها الرئيس أردوغان نفسه. ووفق رأي العديد من المحللين، والمتحدثين باسم أحزاب المعارضة السياسية وفي مقدمتها «الشعب الجمهوري»، فإن التدخل التركي المباشر في سوريا مع بدايات الأزمة كان سبباً أساسياً ــ وربما وحيداً ــ لكل التطورات الحالية. فقبل ذلك التدخل ــ والقول للمعارضة التركية ــ لم تكن في سوريا «وحدات حماية الشعب» الكردية أو «جبهة النصرة» أو«داعش» وغيرها من المجموعات الإرهابية التي حصلت على دعم الدول الغربية ودول الخليج وتركيا. وكل ذلك عبر الأراضي والحدود التركية، ولخدمة الحلم العثماني بعد ما يسمى الربيع العربي.
ولا يخطر على بال أردوغان أن يراجع حساباته ويستخلص العبر من أخطائه، بل يبدو مصمّماً على السير فيها قدماً، ما دام بارعاً في إقناع الجمهور، بعد أن سيطر على تسعين في المئة من وسائل الإعلام الرسمية والخاصة. فعلى سبيل المثال، لا يتذكر أحد كيف جهد أردوغان ورئيس وزرائه السابق أحمد داوود أوغلو، في الفترة بين عامَي 2011 و2015، لإقناع أكراد سوريا بالتمرد على الرئيس الأسد. وعندما رفض صالح مسلم، زعيم «حزب الاتحاد الديمقراطي» ذلك، اختلفت حسابات أنقرة. ودفع ذلك الكثيرين، وفي مقدمتهم زعيم حزب «الشعب الجمهوري» كمال كيليشدار أوغلو، إلى اتهام أردوغان بالعمل على توريط تركيا في المستنقع السوري (بالتالي الشرق أوسطي).
وبات واضحاً أن هذه التطورات سوف تخلق لتركيا مشاكل لن يتوقع أحد حجمها ومخاطرها على مستقبلها، وبالتالي المنطقة عموماً، خاصة إذا استمر أردوغان في تجاهله لحقائق الأزمة الممتدة من شرق الفرات إلى إدلب وعفرين. وبينما يراهن البعض على مستقبل العلاقة بين روسيا وتركيا، فقد ينفذ صبر الرئيس فلاديمير بوتين من تناقضات الموقف التركي، خاصة إن كانت تلك التناقضات على حساب المصالح الروسية. فما يهم روسيا في الدرجة الأولى هو القضاء على الإرهابيين ذوي الجنسية الروسية (أو السوفياتية السابقة)؛ فبعودتهم إلى بلادهم عبر الأراضي التركية، سيصل الخطر إلى روسيا التي يعيش ضمن حدودها الحالية أكثر من 20 مليون مسلم.
ومهما كان معنى الموقف التركي الحالي ومفاجآته المستقبلية، فالجميع يعرف أن أنقرة لا ولن تفعل أي شيء في الشمال السوري شرق الفرات، حيث القوات الأميركية. كذلك يعرف الجميع أن المفاجأة الأكبر هي ألا يستمر أردوغان في تحالفه التكتيكي والمرحلي مع بوتين في الموضوع السوري، ما دام ذلك سيكلّفه التخلي عن أحلامه في تزعّم كل المسلمين، كما سيكلّفه التخلي عن سياساته الداخلية التي يسعى من خلالها لإحكام سيطرته المطلقة على البلاد وأسلمة الدولة والأمة التركية، والتي يراهن الكثيرون في الداخل والخارج على مستقبل تناقضاتها وصراعاتها التي قد تزعزع أمن تركيا واستقرارها، بل وربما سيادتها واستقلالها. ولا يفوّت الإعلام فرصة لشحن المشاعر القومية والدينية للمواطن التركي، عبر إحياء ذكرى السلاطين العثمانيين وأمجادهم، في حين يسعى الإسلاميون الذين استولوا على جمهوية أتاتورك العلمانية الحديثة للعودة بتركيا إلى ما كانت عليه قبل نحو مئة عام ماضية.
ويبقى الجواب غائباً عن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هنا في تركيا، وهو لماذا يتصرف أردوغان هكذا؟ فهل هو يفعل كل شيء وفق حسابات دقيقة واستراتيجية؟ أم ان الجهل بخفايا المنطقة هو الذي فرض نفسه على سلوكه؟ خاصة أنه لم يعد لديه الكثير من الوقت ليتخذ قراره النهائي، فإما أن يبقى على نهجه الحالي بين المد والجزر من عفرين إلى إدلب، أو يتجاوز هذه العقد البسيطة ويتفق مع بوتين ونظيره الإيراني حسن روحاني على أمور أكبر بكثير من حساباته الضيقة التي ستفقد قيمتها العملية. وستترك هذه الأخطاء خلفها آثار الدمار الشامل في المنطقة بأكملها، بعد أن تتحول كل الميادين إلى ساحات للصراعات القومية والدينية والطائفية. ولأن لكلّ أمة ألاعيبها ــ التي أثبتت السنوات الست الأخيرة أن تركيا كانت وما زالت تجهلها ــ يجب على أنقرة أن تتعلم من أعدائها التاريخيين وحلفائها اليوم، الروس والفرس. وبدونهم، لا ولن يحالف الحظ الرئيس أردوغان في مواجهة كل التحديات المعقدة، ليس فقط في عفرين وإدلب، بل على كل الجبهات في الخارج والداخل، وباعتراف نائب رئيس الوزراء، نعمان قورتولموش، الذي قال العام الماضي: «سياستنا في سوريا كانت خاطئة منذ البداية والنتيجة أمامنا».