رفْع الصوت عالياً من السلطة الفلسطينية ورئيسها، محمود عباس، رفضاً للاحتلال، والتصريحات والمواقف الرافضة أيضاً للموقف الأميركي، لا يعني عند المؤسسة الأمنية الإسرائيلية شيئاً ما دام لم يترافق مع أفعال. يمكن عباس قول ما يريد وما لا يريد، المهم أن التنسيق الأمني قائم ومترسخ، بل هو يعمل بجد مع الإسرائيليين ضد المقاومة.


ورغم كل الأصوات الصادرة عن تل أبيب، التي هاجمت عباس ومواقفه الكلامية الأخيرة ضد إسرائيل، فإن الموقف الفعلي لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية يثمن موقف السلطة ورئيسها. أما الأصوات الإسرائيلية الرا​فضة، كبرت أو صغرت، فهي تخدم الأجندات السياسية الداخلية لدى الاحتلال أكثر من كونها تعبر عن موقف من الفلسطينيين.
هذا الموقف تسرب أمس في الإعلام العبري، بعد «المواقف الرنانة» لعباس، وبعد رفع الصوت عالياً في وجه شريكيه: إسرائيل وأميركا، في محاولة منه للتغطية على تمسكه الثابت بجانب التسوية غير القابل للتغير، رغم كل النكسات والفشل الذي منيت به مع الاحتلال.


أبو مازن لم يكسر
الأواني، بل حافظ
على قواعد اللعبة


على هذه الخلفية، فهمت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وتعاملت أيضاً، إزاء مواقف عباس الأخيرة والتصريحات الصادرة عنه. في حقيقة مطلب السلطة ورئيسها، الواضح أن الهدف من رفع الصوت هو منع تغيير الاتجاه الفلسطيني نحو مسارات غير التوسل لانتزاع الحقوق، وتحديداً المقاومة المسلحة للاحتلال، وذلك عبر «ركب الموجة» الرافضة، الأمر الذي يصب في مصلحة إسرائيل ولا يخالفها.
في هذا السياق، ذكرت صحيفة «معاريف» أمس أنه في موازاة «عاصفة خطاب أبو مازن»، وحملة الإدانة من جميع المسؤولين السياسيين في إسرائيل، كان واضحاً أن المؤسسة الأمنية لم تتأثر كثيراً من خطابه، لافتة إلى أن «موقف المؤسسة الأمنية مختلف عن رأي الأغلبية السياسية التي تسابقت لتوجيه الضربات عبر إدانة خطابه».
في الجيش الإسرائيلي، ولدى الأجهزة الاستخبارية، هم غير معنيين بشروح «أبو مازن» التاريخية وموقفه من الصهيونية والاستعمار، بل «ما يهم هو أمر واحد ووحيد: معارضته الإرهاب (الكفاح المسلح) بأي شكل كان. هذا هو المهم، وهذا يعني أنه لم يغير موقفه، بعد أن عاد وشدّد على أن أسلوب الكفاح المسلح يضر بمصالح الشعب الفلسطيني».
التقدير الاستخباري الإسرائيلي، كما تكشف الصحيفة، يرى أن «عباس لا يملك أي نية لتغيير مواقفه لمصلحة الكفاح المسلح»، وأن «الأمر الوحيد الذي يمنع عشرات الآلاف من حاملي السلاح من حركة فتح من توجيه سلاحهم إلى إسرائيل هو الإدارة الواضحة في المقاطعة» في رام الله.
و«إذا كان السؤال الأهم لدى الأجهزة الأمنية يتعلق بما يمكن أبو مازن أن يقدم عليه في الجولة الأخيرة من حياته السياسية، نظراً إلى تجاوزه الثمانين من عمره، فإن الإجابة أوضحت وجرى التعبير عنها في خطابه أول من أمس: هو لن يعود إلى الكفاح المسلح». وهذا الموقف، وفق المؤسسة الأمنية «هو المهم، مع خط عريض جداً من تحته».
من ناحية إسرائيل، تضيف الصحيفة، يأتي الخطاب كنوع من «إفراغ شحنة إحباط متراكمة» بعد الطريق المسدود في «عملية السلام» وإدراك أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هو «فعلاً محب لإسرائيل»، مع التشديد على أن «شحنة الإحباط كانت مضبوطة، فعباس لم يكسر الأواني، وحافظ على قواعد اللعبة، وفي نهاية الأمر لم يؤدِّ كلامه إلى أي شيء ملموس».