القدس المحتلة | في الليلة السيئة الذكر، 6 كانون الأول 2017، وقبيل وقت قصير من خطاب مرتقب للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انطفأت مصابيح الإنارة الليلية الخارجية لقبة الصخرة، الواقعة داخل المسجد الأقصى، في مدينة القدس المحتلة. ساعات قليلة ووقّع ترامب إعلان الاعتراف بالقدس «عاصمة لإسرائيل»، وأشيع أن إطفاء الأنوار في المسجد كان احتجاجاً على ذلك، كما فعل أهالي بيت لحم بإطفاء شجرة الميلاد، لكن القضية لم تعد عطلاً سببه تماس كهربائي في الأسلاك الموصلة للإنارة.


منذ ذلك الوقت، لم تنجح محاولات «الأوقاف الإسلامية الأردنية» في إعادة تشغيلها، إذ إن التمديدات الكهربائية في الأقصى قديمة جداً ومتآكلة، ولا تسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتغييرها، رغم أن التمديدات الجديدة جاهزة للتركيب، لكن بأمر من الاحتلال يمنع إدخالها إلى المسجد.
قصة الكهرباء وأضواء المسجد واحدة من عشرات الأمور التي تتصدر قائمة الممنوعات، فالاحتلال يرى أنه رغم كون الأردن المسؤول عن الأقصى، وفق اتفاقية «وادي عربة»، لكن لا شيء يمكن إصلاحه أو تركيبه في المسجد دون تصريح منه. والواقع العملي، خلال الأشهر والأسابيع الأخيرة، تحديداً، أقرب إلى تطبيق تأكيد مقولة موشيه ديان عندما احتل المسجد الأقصى عام 1967، إذ قال: «جبل الهيكل بأيدينا»، ومنذ ذلك الحين وهذه المقولة تتردد على ألسنة العديد من المستوطنين خاصة في السنوات الأخيرة التي بدأت إسرائيل فيها منع المسلمين من الصلاة في الأقصى ــ في أوقات أو أيام عدة ــ مقابل سماحها للمستوطنين باقتحامه.


منذ 6 كانون الأول الماضي يمنع الاحتلال صيانة توصيلات الكهرباء في المسجد


ضمن هذه السياسة، أعلن الضابط الإسرائيلي المسؤول عن الأقصى منع أي عملية ترميم في المسجد «بغض النظر عن ماهيتها أو أهميتها»، فالأمر لا يعنيه، وما يعنيه فقط أن يصبح الأقصى غير صالح للصلاة. وأول من أمس، اقتحمت شرطة الاحتلال الأقصى وأعطت المسؤول عن إعمار المسجد أمراً شفهياً بمنع أعمال الترميم، لكن الأخير لم يُعطِ بالاً لأوامر الشرطة، وأعطى أوامر بترميم المصلى المرواني وتجهيزه استعداداً للمنخفض الجوي الذي سيضرب البلاد في الأيام المقبلة وفق المتوقع، خاصة أن المصلى المرواني دائماً ما تدلف المياه إليه في المنخفضات الجوية ويغرق بها.
لكن، عندما اقتحمت قوات الاحتلال المصليات في الأقصى، ووجدت أن أعمال الترميم تجري على قدم وساق، أجبرت عمال الترميم البالغ عددهم 60 على التوقف عن العمل وهددتهم بالسجن. أكثر من ذلك، منعت عمال قسم الزراعة في الأقصى من تقليم الأشجار، وهددتهم أيضاً بالسجن. هذا القرار دفع موظفي الإعمار في الأقصى إلى الاحتشاد أمام مكتبهم في ساحات المسجد، فيما أعلن مدير الأقصى عمر الكسواني، أن موظفي الأوقاف لن يتركوا المسجد حتى إن منعت عن العمل، لأن الهدف هو «تفريغ المسجد من موظفي الأوقاف حتى يسيطر عليه بالكامل»، موضحاً أنه يتواصل مع الإدارة الأردنية لكونها المسؤولة.
يُذكر أن منع أعمال الترميم في الأقصى ليس وليد الأزمة الأخيرة، إذ كان الاحتلال قد منع عدة مرات أعمال الصيانة، لكنه عادة ما كان يتراجع بعد تدخل عمّان. أما ما يختلف هذه المرة، فهو أن الإسرائيلي لم يعد يتعامل مع القدس كمدينة محتلة، إنما كعاصمة له. وفي تصريح لعضو الكنيست وعراب اقتحامات الأقصى يهودا غليك، قال إن «كل شيء في هذه الدنيا يمرّ بمراحل حتى ينمو وينضج ويصبح أمراً واقعاً، وبناء الهيكل اليهودي يمر بهذه المراحل فعلاً، وسيأتي يوم ونفكك قبة الصخرة وننقلها إلى مكان ثانٍ ونبني مكانها هيكلنا».
من جهة أخرى، تواصل إسرائيل سياستها بمنع أعمال الترميم في الجهة الشرقية من الأقصى، ومن ذلك تنظيف المنطقة من الأحجار الكبيرة وتلال التراب، كذلك تمنع الأوقاف من استعمال مبنى باب الرحمة، وهذه المنطقة وفق خرائط نشرت أخيراً يطمح الاحتلال إلى بناء كنيس فيها. أما قائمة الممنوعات التي لا يسمح العدو بإدخالها إلى المسجد، فمنها كتب المنهاج الفلسطيني، وذلك لمصلحة مدرستين شرعيتين واحدة للبنين وواحدة للبنات تقعان داخل الحرم. كذلك يمنع إدخال مستلزمات ترميم المخطوطات المسؤول عنها مركز ترميم المخطوطات الكائن في المسجد ، فيما يواصل سياسة منع عشرات المسلمين من الصلاة هناك بقرارات إبعاد إدارية.