تحولت عملية اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مدينة جنين، بهدف تصفية منفذي عملية نابلس التي أدت إلى مقتل الحاخام رزيئيل شيباح، إلى إنجاز للمقاومين عبر التصدي لهذه القوات، وسقوط إصابتين في صفوف الجنود. ومع أن الأجهزة الأمنية هدفت إلى توجيه مجموعة رسائل باستهداف المقاومين المنفذين للعملية، فإن تصديهم وجّه رسالة تصميم مضادة انعكست في مشهد الإرباك الذي ساد وسائل الإعلام الإسرائيلية حول نتائج العملية.


ومع أن سياسة الدهم والاعتقالات نهج تقليدي تتبعه الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ضد المقاومين الفلسطينيين، بمختلف عناوينهم وأسمائهم، فإنه في ما بعد عملية نابلس البطولية، انطوى الحرص الإسرائيلي على مطاردة المنفذين على أكثر من رسالة ودلالة تتصل بمجمل الوضع السياسي والأمني المتوتر على خلفية إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القدس «عاصمة لإسرائيل». فمنذ ذلك الحين، كانت إسرائيل تحاول ضبط اعتداءاتها بما يفترض ألا يؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة مع الشعب الفلسطيني وتطوره إلى أساليب أكثر إيلاماً لجيش العدو ومستوطنيه، لكن «عملية نابلس» شكلت من منظور إسرائيلي ارتقاء في التعبير عن حالة الرفض والغليان الذي يشهده الشارع الفلسطيني. وسادت حالة من القلق من مفاعيل هذه العملية التي قد يكرر منفذوها عمليات أخرى وتشجع آخرين على تنفيذ عمليات مشابهة، وصولاً إلى تحولها إلى نمط عملاني ضاغط على الاحتلال.


جنين ليست مكاناً سهلاً وعندما فهم الجيش ذلك قرّر تجنب المخاطرة



في المقابل، كان الحرص الإسرائيلي مدفوعاً في هذه المرحلة بالذات بالأوضاع العامة التي تشهدها الضفة والمناطق الفلسطينية، إذ أراد العدو أن يوجه رسالة مفادها أن منفذي أي عملية ضد المستوطنين والجنود سيكون مصيرهم مشابهاً لمنفذي عملية نابلس. لهذه الغاية، أرسلت القيادة العسكرية قوات كبيرة من كتيبة الاستطلاع «غفعاتي» والهندسة القتالية و«حرس الحدود» لدهم المكان الذي كان فيه المقاومون في مدينة جنين. وهدف الدهم أيضاً إلى تعزيز صورة «اليد الطولى» للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، على أمل أن يساهم ذلك في تعميق حالة الردع ضد الشباب الفلسطينيين المقاومين، وبث روح اليأس من إمكانية نجاح تحويل هذه العمليات إلى مسار متواصل يستنزف العدو.
على هذه الخلفية، توالت مواقف كبار المسؤولين الإسرائيليين، بدءاً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي «بارك» عملية الجيش متوعداً بـ«الوصول إلى كل من يحاول المس بأمن إسرائيل ومواطنيها». وفي السياق نفسه، أتى كلام وزير الأمن أفيغدور ليبرمان الذي شدد على أنه «لن يكون للمخربين مكان ليختبئوا فيه، وأن يد الجيش ستصل إليهم حيث كانوا»، وصولاً إلى الرئيس رؤوبين ريفلين الذي دعا إلى «الصلاة من أجل شفاء الجرحى من جنود الجيش» الذين أصيبوا خلال المواجهة مع المقاومين. كما حرص العديد من المسؤولين على أن يكون لكل منهم موقفه الذي اندرج في الإطار السابق.
في المقابل، استطاع المقاومون الفلسطينيون تحويل التهديد إلى فرصة ما كي يسجلوا إنجازاً مقاوماً، فصارت العملية الإسرائيلية مصيدة لجنود الاحتلال، ونتيجة ذلك أصيب جنديان من القوات، وفق الاعتراف الإسرائيلي، أحدهما بجراح خطيرة بعدما أصيب برصاصة مرت بين القلب والرئتين واستقرت فى الظهر، وهو ما ترك أصداء معنوية إيجابية، كون المقاوم أو المقاومين، عمدوا إلى التصدي لقوات الاحتلال، رغم أن الأخيرة تتمتع بأكثر من عنصر تفوق عليهم، من ضمنها أنها في موقع المبادر والمفاجئ، فضلاً عن حجم القوات المهاجمة. والرسالة الأخرى التي يبدو أن المقاومين نجحوا في توجيهها تتصل بحجم التصميم على مقاومة جنود الاحتلال.
مع ذلك، لا ينبغي تجاهل حقيقة أن اكتشاف العدو المنفذين في وقت قصير يعكس حالة السيطرة الأمنية الإسرائيلية في الضفة، وهو ما يعيد إلى الأضواء السؤال عن مدى التنسيق الأمني بين الأجهزة الإسرائيلية والفلسطينية عامة، ويطرح تساؤلات حول هذه العملية خاصة، وتحديداً في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها القضية الفلسطينية.
وكشفت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي عن أنه «حتى الآن لا نستطيع أن نقول إننا قضينا على كل أفراد المجموعة (التي قتلت الحاخام المستوطن)، بل حتى في (جهاز) الشاباك ينتظرون بقلق ما الذي سيسفر عنه رفع أنقاض البيت المدمر». ولفت معلق الشؤون العسكرية، ألون بن ديفيد، إلى أنه مع طلوع الفجر تقرر انسحاب كل القوة في جنين خشية من حدوث احتجاجات في النهار... «ونحن لا نستطيع أن نقول إن كل المجموعة التي شاركت في عملية قتل المستوطن تمت تصفيتها، ما هو في أيدينا الآن معتقلان اثنان من المجموعة نفسها على الأقل، واحد منهما كان داخل السيارة التي أطلقت النار، وآخر كان داخل البيت الذي تم تدميره، ولا نعرف هل قتل أو لا». وبرر بن ديفيد ما سماه «تعقيد عملية المطاردة»، بالقول إن «جنين ليست مكاناً سهلاً، وعندما فهم الجيش أن المطلوب الرابع يتحصن في أحد البيوت، قرر تجنب المخاطرة، والبدء بمحاصرة البيت واستدعاءات آليات ثقيلة للهندسة وإطلاق نيران ثقيلة».