الجزائر | لا يترك الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني» (صاحب الأغلبية البرلمانية)، جمال ولد عباس، مناسبة إلا ويوجّه فيها انتقاداً شديداً إلى الوزير الأول (رئيس الوزراء) أحمد أويحيى، الذي يقود بدوره حزب «التجمع الوطني الديموقراطي»، وهو الحزب الثاني من حيث التمثيل في البرلمان، وذلك على الرغم من أن الحزبين يشتركان في الظاهر في مساندة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إذ يحوزان معاً أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، وهو ما يضمن للحكومة المشكَّلة هي الأخرى من وزراء ينتمون إلى الحزبين، أن تمرر كل قوانينها بأريحية تامة.


وقد بدأ حزب «جبهة التحرير» الذي يبقى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئيساً له، في توجيه الانتقادات إلى أحمد أويحيى منذ بداية تعيينه وزيراً أول في آب/أغسطس الماضي، إذ «لم تهضم» قيادات هذا الحزب تعيين هذه الشخصية التي تنتمي إلى حزب منافس لهم. علماً أنّ هذا الرفض يبقى داخلياً فقط ولا يمكن التصريح به علنياً، لكون التعيين قد حصل من قبل الرئيس بوتفليقة. غير أن رفض الوزير الأول الجديد، أصبح يظهر علناً عبر اتخاذ مواقف مضادة لمعظم القرارات التي يتخذها أو التصريحات التي يدلي بها، والتشكيك أحياناً في نياته الحقيقية إزاء مساندة الرئيس بوتفليقة.
وازدادت حدة الهجوم ضراوة، خاصة أنّ التعيين جاء إثر الانتخابات التشريعية (أيار/مايو 2017) التي حقق فيها حزب الوزير الأول تقدماً لافتاً في عدد المقاعد، في مقابل انخفاض مقاعد «جبهة التحرير»، ثم جاءت انتخابات المجالس المحلية (تشرين الثاني/نوفمبر 2017) التي أبقى فيها حزب «التجمع» على الوتيرة التصاعدية نفسها من حيث عدد المجالس، وهو ما دفع «جبهة التحرير» إلى عقد تحالفات مضادة في كل المحافظات بغية عرقلة فوز حزب أويحيى بأكبر عدد ممكن من المجالس. وقد حصل ذلك بمساعدة واضحة من قبل المحافظين ضمن عدد من المجالس، ما دفع وقتها إلى طرح تساؤلات كثيرة عن الجهة التي تعمل ضد الوزير الأول داخل السلطة.
ويبدي جمال ولد عباس مواقف لافتة، خاصة في ما يتعلق بالوضع الاقتصادي للجزائر. ففي الوقت الذي كان فيه الوزير الأول يتحدث عن مرور البلاد بأزمة مالية حقيقية قد تمنعها من تسديد حتى الأجور، خرج ولد عباس بتصريحات مضادة، تؤكد أن الوضع في الجزائر ليس خطيراً، وأن الدولة ما زال بإمكانها القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، متهماً منافسه بتهويل الوضع وتسويده.


يؤكد أحمد أويحيى أنّ دعمه سيبقى ثابتاً وغير مشروط لبوتفليقة

كذلك حرص جمال ولد عباس بعد إعلان الحكومة اعتزامها إعادة إطلاق مشروع التنقيب عن الغاز الصخري الذي أُوقف بسبب الضغوط الشعبية وضعف الموارد المالية، على التشديد على أن حزبه يرفض الاستعجال في هذا المشروع إلا بعد الرجوع إلى الخبراء وفتح نقاش جدي في مدى ضرره على البيئة.
وواصل حزب «جبهة التحرير» مسار الطعن في الوزير الأول بعد التوقيع على ما سُمي «ميثاق الشراكة بين القطاعين العام والخاص» بين الحكومة والنقابة الأم وأكبر تجمع لأرباب العمال، الذي يقضي بأن تفتح رساميل المؤسسات العمومية أمام الخواص (القطاعات الخاصة). وقد أطلق حزب «الجبهة» وابلاً من التشكيك في قرار الوزير الأول، محذراً إياه من التفريط في القطاع العام وبيعه بثمن بخس لعدد من رجال الأعمال. وفي موقف لافت من هذا الحزب، استدعى أمينه العام الشخصيات نفسها التي وقّع معها أحمد أويحيى، هذا الميثاق، وعقد معها اجتماعاً موازياً شبيهاً، أكد فيه أن قرارات الخصخصة لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تفرط في القطاع العام أو في اليد العاملة التي تشتغل فيه. وبدا جمال ولد عباس منزعجاً للغاية من أن أويحيى عقد هذا الاجتماع دون أن يوجه له الدعوة، رغم أنه القوة السياسية الأولى في البلاد.
وبعد مدة من الصمت، استغل أويحيى مناسبة عقد حزبه لاجتماع تنظيمي، ليوجه رسائل شديدة الوضوح يردّ فيها على اتهامات «الجبهة». وقال في اختتام دورة المجلس الوطني لحزبه، إن «التجمع» يبتعد عن الشعبوية في ممارسة السياسة ويعتمد نظرة واقعية تحاول تنوير الرأي العام وتبصيره بما يجري في بلاده. وانتقد أويحيى بتهكم نظرة «الجبهة» التي تتسم بـ«الماضوية»، فقال: «وا حسرتاه على أيام الاشتراكية خيار لا رجعة فيها»، وهو الشعار الذي كان يرفعه حزب «الجبهة» الذي حكم البلاد في ظل نظام الحزب الواحد (1962-1989) قبل مجيء التعددية الحزبية. وأضاف أنه ينبغي التخلص من ذلك التفكير القديم واستغلال كل الفرص المتاحة في الجزائر، في إشارة إلى ضرورة الاستعانة بالقطاع الخاص في بناء نهضة للبلاد.
وبخصوص الرئيس بوتفليقة، أكد أويحيى، خلافاً لما يروجه عنه خصومه، أن دعمه سيبقى ثابتاً وغير مشروط للرئيس، متهماً ضمنياً «جبهة التحرير» باحتكار الرئاسة والرئيس، بينما بوتفليقة «ملك لكل الجزائريين». ونقل قيادي رفيع في حزب «التجمع» عن أحمد أويحيى انزعاجه الشديد إزاء محاولة إجراء الوقيعة بينه وبين الرئيس بوتفليقة. وقال هذا القيادي الذي رفض ذكر اسمه في تصريح إلى «الأخبار»، إن أويحيى «لا يمكنه الترشح في منافسة الرئيس بوتفليقة، كذلك لا يمكنه أيضاً الترشح في حال اختياره مرشح إجماع داخل منظومة الحكم ليكون خليفة للرئيس بوتفليقة».
ويعزو مراقبون هذا الصراع المحموم بين حزبي السلطة إلى وجود مخاوف لدى «جبهة التحرير» من أن يترشح أحمد أويحيى إلى رئاسة الجمهورية، في وقت هي لا تملك شخصية وازنة بإمكانها منافسته إذا قرر الرئيس بوتفليقة الذي يعاني من متاعب صحية جمة عدم الترشح. من جانبها، تربط المعارضة ما يجري بغياب الرئيس بوتفليقة عن المشهد، حيث اعتبر جيلالي سفيان، وهو رئيس حزب «جيل جديد»، أن هذا الصراع هو بالأساس صراع على تركة الرئيس، بينما حذر علي بن فليس، وهو رئيس «حزب طلائع الحريات»، من أن ما يجري سيغذي أكثر الانسداد السياسي في البلاد، وهو ما يوافقه عليه عبد الرزاق مقري، رئيس «حركة مجتمع السلم» المحسوبة على التيار الإسلامي.