الرباط | بعد خمسة أشهر من التأجيل، قرر المغرب رسمياً في مستهل الأسبوع الجاري تحرير سعر صرف العملة المحلية ــ الدرهم ــ وتعويمها في السوق الدولية تدريجاً، وذلك وسط مخاوف خبراء اقتصاديين من احتمال غلاء مستوى المعيشة وإضعاف قدرة المواطنين الشرائية. إلا أنّ المشروع الذي أعلنته الحكومة المغربية بعد مشاورات جرت بين مسؤولي وزارة الاقتصاد والمال والبنك المركزي، وتخللتها محادثات رسمية مع صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يمكِّن المغرب من تنفيذ تعويم تدريجي للدرهم على 3 مراحل: تنطلق المرحلة الأولى في مستهل النصف الثاني من العام الجاري، فيما قد تمتد المرحلتان الأخريان على مدى أكثر من 10 سنوات.


ومن المعروف أنّ «تعويم العملة يعني جعل سعر صرف هذه العملة محرراً بنحو كامل، بحيث لا تتدخل الحكومة أو المصرف المركزي في تحديده مباشرةً، بل يجري إفرازه تلقائياً في سوق العملات من خلال آلية العرض والطلب التي تسمح بتحديد سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية». لكنّ مصدراً حكومياً مغربياً تحدث إلى «الأخبار»، برر اللجوء إلى عملية تعويم العملة تدريجاً، بـ«الضمانات» التي تلقتها السلطات من قبل «صندوق النقد الدولي في حال خروج سقف التضخم عن مستواه المحدد».
أيضاً، قال المتحدث باسم الحكومة مصطفى الخلفي، في حديث إلى «الأخبار»، إنّ الرباط قررت تعويم الدرهم بعد استطلاع «رأي بنك المغرب ومؤسسات مالية دولية، مثل صندوق النقد الدولي»، مبرراً أنّ «اعتماد هذا النظام في هذا التوقيت بالضبط مرتبط بالاستقرار والتحسن الذي يعرفه اقتصاد المملكة بشهادة خبراء صندوق النقد الدولي، والذين يعتبرونه الأكثر تحسناً في منطقة شمال إفريقيا».
في السياق التبريري نفسه، فإنّ رئيس المصرف المركزي المغربي، عبد اللطيف الجواهري، أعلن في جلسة برلمانية انعقدت يوم الأربعاء الماضي، أنّ الدوافع التي جعلت المغرب يلجأ إلى نظام صرف جديد تكمن في «تحسن جميع مؤشرات التوازنات الماكرواقتصادية خلال السنوات العشر الأخيرة». وبينما تحدث عن سعي المغرب «إلى الانخراط في مسار العولمة من خلال 56 اتفاقية للتبادل الحر ووضع سياسات قطاعية طويلة الأمد توفّر رؤية واضحة للمستثمرين المغاربة والأجانب، ما يزيد من جاذبية البلد»، لم يجب الجواهري صراحة عن أسئلة تتمحور حول «سيناريوات أزمة» ارتفاع قيمة عملتي الدولار واليورو المرتبطتين أساساً بتقلبات الأسواق المالية العالمية.


اقتصادي مغربي: يُمثِّل
تعويم العملة مغامرة
محفوفة بالمخاطر

وأوضح المسؤول المغربي أنّ تعويم العملة «لن يحصل بشكل مباشر وتام، إذ سينتقل تدريجاً من نظام الصرف الثابت (نظام الربط بالعملة)، إلى نظام صرف مرن (تعويم أولي)»، مضيفاً أنّ «إصلاح» سعر صرف العملة فعل «اختياري ومحضَّر له ومنظم، وهو يستفيد من احتياطات ملائمة من النقد الأجنبي ونسبة تضخم قليلة (أقل من 2%) وغياب السوق السوداء للعملة».
في مقابل السياقات التبريرية للقرار، يرى الخبيرالاقتصادي، نجيب أقصبي، في حديث إلى «الأخبار»، أنّ التعويم يمثِّل «مغامرة محفوفة بالمخاطر، في ظل افتقار المغرب إلى احتياط قوي من العملة الصعبة» (في بداية الصيف الماضي سجّل نحو 25 مليار دولار فقط). ورأى أقصبي أنّ الاحتياطي «ضعيف وغير كافٍ لتعويم عملة الدرهم»، مشيراً إلى أنّ «85 في المئة من مخزون المملكة من العملة الصعبة... تستورد به الدولة مواد النفط والغذاء». وعمّا إذا كان المغرب قادراً على إنجاح تعويم الدرهم، أشار الخبير الاقتصادي إلى أنّه إلى جانب «ضعف» احتياطي العملة الصعبة، ثمة مشكلة أخرى ستعوق العملية، وهي تتعلق بـ«العجز البنيوي» للميزان التجاري.
وفي مقارنة مع الحالة المصرية التي قادت نحو ارتفاع معدلات التضخم بنسبة كبيرة، إذ وصلت قيمة الديون الخارجية للبلد إلى 79 مليار دولار في بداية الصيف الماضي ارتفاعاً من نحو 60 مليار دولار في صيف 2016، قال الخبير الاقتصادي المغربي عمر الكتاني، في حديث صحافي، إنّ عملية التعويم «فيها مخاطرة... وإنّ هذا الموقف لم يعطَ أي تبرير عملي له». وأضاف أنّ استقرار العملة أساسي لاستقرار أي اقتصاد، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ «التعويم يُعبِّر عن عدم استقرار لقيمة الدرهم». وقال في حديثه إلى قناة «دويتشه فيلله»، إنّ التعويم يقود باتجاه «حصول تضخم في الاقتصاد، وهو ما سيؤثر سلباً بحياة الطبقة المتوسطة وضعيفي الدخل».