سلفيت | تزامناً مع تشديد الإجراءات الأمنية الإسرائيلية عبر حواجز مدينة نابلس، شمالي الضفة المحتلة، عقب العملية الأخيرة في قرية صرة القريبة منها قبل أسبوع، وما تسبّبت فيه من إعاقة حركة آلاف الفلسطينيين يومياً، انطلقت دعواتٌ إسرائيلية للمطالبة بنصب المزيد من الحواجز في الضفة، ومن ذلك حديث رئيس «المجلس الاستيطاني» (شومرون)، يوسي داغان، للقناة السابعة العبرية قبل أيام، أن «هذه الحواجز... تنقذ حياة العشرات من الإسرائيليين، وعبرها يضع الجيش يده على وسائل قتالية».


رأي داغان، كمثال، هو أحد الأسباب التي تتمسك بها حكومة العدو أمام المؤسسات الحقوقية والدولية التي تنتقد أصل الحواجز والممارسات عليها. وكان داغان قد ادّعى أن «إزالة هذه الحواجز مكّنت منفذي عملية نابلس من الانسحاب بسهولة من المكان، ما يتطلب من الجيش إعادة الحواجز من جديد، ليس لحماية المستوطنين في الضفة فقط، بل لتوفير الحماية لسكان وسط إسرائيل في تل أبيب وغوش دان».
وعموماً تأخذ الحواجز أشكالاً متعددة لأهداف واحدة؛ فهناك الحواجز الثابتة التي تكون أشبه بنقاط العبور بين الدول، لجهة إجراءات التفتيش والمرور عبر ماكينات مخصصة، وأيضاً الاصطفاف في طوابير أمام الجنود في انتظار التدقيق في كل بطاقة هوية قبل السماح بالتحرك. كذلك لا بد أن يمر الفلسطيني ببوابات دوّارة تُشبه أقفاصاً حديدية يُطلَق عليها «معّاطة دجاج» فلسطينياً، لكن قُلّص عددها حالياً بالمقارنة مع أيام انتفاضة الأقصى، إذ لا يوجد حالياً أي حاجزٍ يحتوي على نقاط اصطفاف و«مُنظَم» في شمال الضفة. لكن عدد هذه الحواجز أكثر في مناطق جنوبي الضفة، كالخليل، ونقاط التنقل بين الضفة والأراضي المحتلة عام 1948.
مع ذلك، تنتشر «عوائق» أخرى مثل البوابات الحديدية، والمكعبات الإسمنتية، وأحياناً السواتر الترابية، على مداخل القرى والبلدات في ضواحي المدن أو أرياف المحافظات. وهذه تُفتَح وفق توجيهات جيش العدو. أيضاً هناك الحواجز «الطيّارة»، إذ تُغلق آلية عسكرية الطريق، وتبدأ تفتيش السيارات والتدقيق في هويّات الفلسطينيين، وهذه يقيمها الجنود وفقاً لمعلوماتٍ استخبارية أو للاحتياط، وتتخللها في العادة مباغتة «مطلوبين» لاعتقالهم أثناء تنقلهم.
وفي أحدث إحصائية لـ«مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان» (بيتسيلم)، وهي منظمة غير حكومية، فإن عدد الحواجز الثابتة في الضفة وصل إلى 98 في نهاية كانون الثاني الماضي، من ضمنها 59 حاجزاً داخلياً منصوبة في عمق الضفة بعيداً عن الحدود مع الأراضي المحتلة عام 1948، كما تُظهِر الإحصائية أن مدينة الخليل (جنوب) تضم وحدها 18 حاجزاً. وينقل المركز عن «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا) أن عدد الحواجز «الطيّارة» بلغ 2941 حتى نهاية أيلول الماضي، بما يعادل 327 شهرياً.
جرّاء ذلك، تبدو الضفة بكاملها تحت عين العدو الذي يتحكم في مرور الفلسطينيين كافة، عبر حاجزين أساسييْن يقسمان الضفة إلى ثلاثة أقسام، ليبدو الأمر فعلياً مثل «كانتونات معزولة» أو «سجون كبيرة داخل سجنٍ أكبر». وهذان الحاجزان هما «زعترة»، بين نابلس ورام الله في الشمال، و«الكونتينر» شرق أبو ديس في الجنوب. وبين الاثنين توجد منظومة متشعبة من إعاقات المرور، ما بين الحواجز الطيارة والبوابات الحديدية، والشوارع المخصصة للمستوطنين فقط. كل هذه الإجراءات تحوّل مسارات المرور من شمالي الضفة إلى جنوبيها عبر الحاجزين الرئيسيّيْن حصراً. أما إذا أراد الفلسطيني التحرك خارج الضفة، فالحدود كافة ستكون تحت السيطرة الإسرائيلية.
وبالنسبة إلى الدخول من الضفة إلى القدس، يكون ذلك عبر حواجز مخصصة تُسمّى «معابر»، كأنها تفصل بين دولة وأخرى. هذه المعابر لا تختلف عن الحواجز سوى أن الدخول منها يحتاج إلى تصريحٍ إسرائيلي رسمي، في حين أن المرور على الحواجز يحتاج إلى تصريح جنديٍ إسرائيلي شفوي بلا ورقة. أيضاً يختلف «المعبر» في أن عدد الفلسطينيين المنتظرين عليه في طوابير خلال أيام ومواسم معينة يكون هائلاً، مثل: زيارة المسجد الأقصى خلال رمضان، كما يمر عليه أصحاب التصاريح للدخول إلى الأراضي المحتلة عام 48 بغرض العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، أو زيارة الأقرباء، أو العمل أو البحث عن عملٍ.


قرّر العدو تشديد الإجراءات في الحواجز حول نابلس بعد العملية الأخيرة


لكن العامل المشترك بينها كلها هو «الإذلال والتفتيش والتدقيق في الهوية والانتظار». وإن أزال العدو إجراءات الاصطفاف في طوابير على كثيرٍ من الحواجز بعد عام 2008، وقلّص عدد جنوده عليها بين معظم المناطق، وأصبح يسمح بحركة المركبات الفلسطينية غالباً، لكن كثيرين ينظرون إلى هذا التغيير على أنه «شكلي»، لأن مجرد تقييد حركة إنسان في التنقل داخل بلده يحمل أوجهاً من الإذلال، وكل الإجراءات القديمة يمكن أن تفعّل في لحظات، فيما ينسب رئيس «المجلس الاستيطاني» إزالة عددٍ من الحواجز سابقاً ليس إلى «الارتياح الأمني في الضفة، بل استجابة للضغوط السياسية التي مارستها إدارة باراك أوباما السابقة».
هذه الإزالة الشكلية للحواجز العسكرية سعى الإسرائيليون إلى إظهارها على أنها مرتبطة بالتحسن الأمني، وبهذا تكون إعادة تقييد الحركة بصورة مشددة على حواجز نابلس عقب العملية الأخيرة دليلاً بارزاً على محاولة العدو تشكيل صورة ذهنية مفادها أن المقاومة هي سبب الإغلاق، لكن حقيقة الأمر أن هذه السياسة المعتادة هي نقل الفلسطيني من «الوضع الأسوأ» إلى «الوضع السيّئ»، وجعله يفضّل النوع الثاني تدريجياً. وفي الحالة الثانية، صحيح أن البواباتٍ الحديدية مفتوحة، لكنها موجودة أمام مداخل كثيرٍ من البلدات كإشارة إلى بقاء الاحتلال، وهي عملياً تُغلَق في أي وقت بأدنى جهد بشري إسرائيلي.
وثمة أمر آخر يتصل بالمكعبات الإسمنتية، إذ لم تعد الحواجز بحد ذاتها وسيلة للإخضاع والتهديد بعبثية المقاومة، بل لوحظ أن كثيراً من المناطق التي تنشط فيها المواجهات الشعبية، جَهزّت جرافات إسرائيلية مكعبات إسمنتية لمداخلها لكنها لم تُغلقها، وفي ذلك رسالة نفسية واضحة للفلسطينيين مفادها: «استمروا في إلقاء الحجارة على المستوطنين كما شئتم، ونحن نُغلِق طريق تنقلكم بحركة واحدة من جرافة»، وذلك للتحريض على المتظاهرين.





إعادة مظاهر الانتفاضة الثانية

أعادت إجراءات الإغلاق الأخيرة، وتحديداً في نابلس، إلى الأذهان صورة انتفاضة الأقصى الثانية، حين كان يصطف آلاف الفلسطينيين يومياً في طابورٍ طويل على حاجزٍ مثل «حوّارة»، شمالي الضفة، أو «الكونتينر» الذي يقسم الضفة إلى شطرين، حيث كان الانتظار يطول لساعات وفق مزاج الجنود.
أما حواجز نابلس، فكانت مضرباً للمثل في القسوة وصعوبة الحركة والإجراءات المشددة، إذ رغم وجود أكثر من خمسة منافذ للمدينة، وثلاثة حواجز عسكرية مشيّدة بمعداتٍ متطورة، فإن «حوّارة» كان الأسوأ على الفلسطينيين خلال الانتفاضة، لأن عدد المناطق التي يعزلها أكثر من بقية الحواجز الأخرى، ما يعني أن عدد الفلسطينيين المارّين عليه سيكون أضعاف الأخرى. أيضاً، كان «حوّارة» يتصل بحاجز «زعترة»، وهما يفصلان شمالي الضفة عن جنوبيها، ويمر عبرهما سكان مناطق جنوب نابلس، ومحافظات: سلفيت، ورام الله، والخليل، وبيت لحم، وغيرها، في حين أن حاجز «بيت إيبا»، شمال غرب نابلس، يمّر عبره سكان جنين وقلقيلية وطولكرم.