القاهرة | تحوّل كبير في الانتخابات المصرية المقررة في آذار المقبل. الفريق سامي عنان، رئيس الأركان الأسبق، ونائب رئيس المجلس العسكري الذي حكم البلاد إبان الفترة الانتقالية التي أعقبت «ثورة 25 يناير»، قرّر الترشح للانتخابات الرئاسية، منافساً الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي سبق أن أعلن مسبقاً فوزه بهذا الاستحقاق، قبل ساعات من نشر فيديو الترشح الذي صوّره عنان، وأذيع عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، ولاحقاً عبر قنوات تلفزيونية محسوبة على جماعة «الإخوان المسلمين» والمعارضة المصرية في الخارج.


خطاب منتصف الليل، الذي أعلن عنان من خلاله الترشح، حُبكت تعابيره بشكل حرفي، إن في دعوته مؤسسات الدولة إلى التزام الحياد في المنافسة الانتخابية مع رئيس جمهورية «بات مرشحاً رئاسياً» ويمكن أن يغادر منصبه خلال الأشهر المقبلة، أو في تطرقه إلى أشدّ القضايا حساسية المرتبطة بالأمن القومي المصري (تيران وصنافير، سد النهضة...) والأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يئنّ بسببها ملايين المصريين، والشراكة السياسية التي باتت السمة الغائبة في عهد السيسي.
وبالرغم من أن عنان لم يطرح في خطابه رؤية متكاملة للتعامل مع جميع الملفات – وهو أمر قد يكون طبيعياً بالنظر إلى أن الحملة الانتخابية في طور التكوّن – إلا أن الخطوط العريضة التي طرحها بدت مختلفة، ولا سيما في الشق الاقتصادي، بشكل جذري عن خطاب السيسي الذي بشّر فيه المصريين بمزيد من الإجراءات التقشفية، في وقت تعهد فيه «الفريق» بالعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الأربع المقبلة، في حال فوزه.
الأهم مما سبق أن عنان اختار أن يقدم نفسه مرشحاً مدنياً لا عسكرياً، فالرجل الذي شارك في حرب تشرين الأول عام 1973، ووصل إلى أعلى المناصب، قبل إقالته إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، غداة مذبحة رفح الأولى، فضّل الاستعانة بفريق من المدنيين الذين يملكون مكانة مرموقة في الحياة السياسية، فاختار المستشار هشام جنينه، الرئيس المقال للجهاز المركزي للمحاسبات نائباً له لشؤون الشباب، والدكتور حازم حسني أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة نائباً لشؤون الثورة المعرفية.
وفي العموم، فإنّ اقتحام سامي عنان المشهد الانتخابي أعاد الزخم للاستحقاق الرئاسي، وخصوصاً بعد عزوف الفريق أحمد شفيق، وصيف انتخابات عام 2012، عن الترشّح، في ما يبدو نتيجة لضغوط سياسية حادة، في وقت لا يزال فيه المحامي والناشط الحقوقي خالد علي، المحسوب على المعسكر الثوري، يستكمل جمع التوكيلات الشعبية لخوض السباق.
وثمة عناصر عدّة يمكن أن يراهن عليها سامي عنان في المعركة المرتقبة ضد السيسي، في حال قبول أوراق ترشّحه، أبرزها على الإطلاق أن من شأنه أن يصبح مرشّح كل المتضررين من حكم السيسي، ابتداءً من «الإخوان المسلمين»، وصولاً إلى فئات عدّة داخل أجهزة الدولة.
ويراهن سامي عنان ــ حتى لو نفى ذلك رسمياً ــ على أصوات أفراد جماعة «الإخوان المسلمين»، الذين فتح باب المصالحة معهم، من دون أن يغلقه بشكل نهائي كما فعل السيسي، الذي توعّد بالشراسة في مواجهة الإرهاب و«الإخوان» في السنوات المقبلة.


أعلن حمدين صباحي تأييده لخالد علي وحرّر توكيلاً لترشيحه


كما يتواصل عنان في الوقت الحالي مع عدد من العسكريين السابقين المعارضين للسيسي لكسب تأييدهم، وخاصة الرافضين لموقف المشير من جزيرتي تيران وصنافير ونقل تبيعتهما للسعودية بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعها مع الملك سلمان.
كما يمتلك عنان مقومات قوة خارجية قائمة على علاقاته السابقة مع الأميركيين، سواء عسكريين أو مدنيين. فرئيس الأركان الأسبق هو واحد من أكثر القادة العسكريين الذين تواصلوا مع الولايات المتحدة، التي عاد منها أثناء الثورة، حين كان يحضر اجتماعات مع عدد من العسكريين هناك.
وتلقى الفريق عنان اتصالات من سفارات أجنبية للحديث معه والمناقشة حول قرار ترشحه في وقت لا يزال يلتزم فيه الصمت إعلامياً، مكتفياً بالتصريحات التي تخرج عن المتحدث الرسمي باسمه، فيما زاد عدد التوكيلات التي يتم تحريرها له بشكل مطّرد اليومين الماضيين.
ويبدو أن عنان قرّر الطرق على أزمتي تيران وصنافير وسد النهضة في المعركة الانتخابية المحتملة، إذ نشر صورتين عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، أكد في إحداهما أنه لم يوافق على التنازل عن الجزيرتين، كما شدد في الثانية على أنه لم يتسبب في أزمة مع أديس البابا التي بات عدد من الإعلاميين المصريين يحمّلون عنان مسؤولية تدهور العلاقات معها حين كان نائباً لرئيس المجلس العسكري إبان الفترة الأولى من بناء سد النهضة.
تنقصه «ورقة»
يبحث الفريق المتقاعد عن منافسة جدية بالانتخابات، لكن هذه المنافسة تبقى مهددة، لأسباب ليست مرتبطة بعدم حيادية الأجهزة فحسب، وإنما باحتمال عدم قدرته على استكمال أوراق الترشح، وبخاصة ورقة مهمة لن يستطيع التقدّم إلى الانتخابات من دونها، وهي إفادة إنهاء فترة استدعائه في القوات المسلحة بموجب قرار صادر عن المشير طنطاوي باعتباره رئيس الجمهورية بعد «ثورة 25 يناير»، وهي الورقة ذاتها التي حصل عليها السيسي باعتباره مديراً للمخابرات الحربية حين ترشّح لانتخابات عام 2014.
وبحسب مصدر تحدث إلى «الأخبار»، فإن استخراج هذه الورقة إجراء روتيني نظراً إلى أن القرار يعتبر جميع أعضاء المجلس العسكري عسكريين، حتى بعد تقاعدهم، ولا يحق لهم بالتالي الترشح للانتخابات من دون الحصول على هذه الموافقة من وزارة الدفاع. لكن المصدر رفض الإفصاح عن أي معلومات بشأن مدى إمكانية حصول عنان على تلك الورقة.
في موازاة ذلك، شدد المصدر على أن عنان حصل من القضاء العسكري على إبراء ذمة يؤكد أنه ليس مطلوباً على ذمة أي قضايا من البلاغات التي حررت ضده إبان توليه منصبه العسكري أو بعد ذلك، علماً بأن بلاغات عدة ضده أحيلت إلى القضاء العسكري من النائب العام للقضاء العسكري خلال فترة حكم جماعة «الإخوان المسلمين» بعد خروجه من السلطة.
المتحدث باسم الفريق سامي عنان، الدكتور حازم حسني، قال لـ«الأخبار» إن المرشح الرئاسي المحتمل سيعلن عن تفاصيل برنامجه في الوقت المناسب، وسيركز بشكل أكبر على قطاعات محددة تشغل بال المصريين، بالإضافة إلى رؤية لسياسة خارجية قوية، تعتمد على أساس الندية في العلاقات مع الدول، مؤكداً على أن من السابق لأوانه في الوقت الحالي الحديث عن استمرار مصر من عدمه في الرباعي العربي المقاطع لقطر، الذي يتهمها بتمويل الإرهاب ودعمه.
وأضاف أن اهتمام قناة «الجزيرة» القطرية بالفريق عنان لا يعني أنها تدعمه، باعتبار أنها تقدم محتوى إعلامياً، ولديها اهتمام بما يحدث في مصر، على العكس من المحطات المصرية التي لم تشر من قريب أو بعيد في البداية إلى خبر الترشّح، قبل أن يبدأ القائمون عليها في تجهيز حملة انتقادات وفتح أحاديث لمواقف قديمة ومحاولة تأويلها.
وأكد أن موقف عنان من «الإخوان» قائم على عدم معاقبة أشخاص بجرائم لم يرتكبوها، وعدم الزج بأي شخص في المعتقلات، ومراجعة قوائم المحبوسين احتياطياً من دون سند قانوني، مشيراً إلى أن من يقومون بتهديد الأمن القومي لا مكان لهم، ولكن في الوقت ذاته يجب العمل مع جميع فصائل المجتمع، وإثناء أي أيديولوجيات من أجل مصلحة مصر، وهو المنهج الذي يعتمده الفريق عنان حتى في تشكيل الفريق الرئاسي الذي سيعاونه في الحكم حال الفوز بالانتخابات.
وأضاف أن الفريق يضم مجموعة من الشخصيات الأخرى التي تحمل توجهات مختلفة بخلاف المستشار هشام جنينه، مؤكداً على أن الإعلان عن الأسماء سيكون في الوقت المناسب، وبعد تقديم أوراق الترشح التي يتم استيفاؤها في الوقت الحالي، ليتم تقديمها إلى اللجنة العليا للانتخابات في الموعد المحدد.
ولم يستبعد حسني «تلفيق» قضايا عديدة للفريق عنان بسبب موقفه السياسي الأخير، وخاصة أن النظام لا يقبل بالمعارضة، مؤكداً أن مراجعات عدّة ستجرى على المشاريع التي يتم تنفيذها خلال الفترة الحالية ومراجعة جداوها الاقتصادية وعدم تحميل الجيش المصري أكثر مما يتحمله.
وبينما لم يتقدم أي مرشح حتى الآن لإجراء الكشف الطبي أو سحب أوراق الترشح رسمياً لتقديمها حتى اليوم الثاني من بدء تلقي طلبات الترشح ــ رغم استيفاء السيسي على الأقل جميع متطلبات الترشح وإعلان خالد علي تقديم أوراقه يوم الخميس المقبل بالتزامن مع الاحتفال بذكرى ثورة 25 يناير ــ أعلن المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي تأييده لخالد علي وقام بتحرير توكيل لترشيحه للانتخابات المقبلة.




غضب في المخابرات العامة


تسود حالة من الغضب والتوتر داخل أروقة جهاز المخابرات العامة تجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد التغييرات التي اعتمدها أخيراً. وبسبب تكليف مدير مكتبه اللواء عباس كامل (الصورة) بإدارة «العامة» مؤقتاً، وهو القادم من خلفية عمل في المخابرات الحربية، ونقل ابن السيسي إلى مكتب مدير الجهاز زادت حالة الاحتقان بين الضباط بعدما وجدوا «تقليلاً منهم» بصورة غير مسبوقة.
وبات عدد من الضباط يفضلون انتخاب وجه آخر في انتخابات آذار المقبل، وخاصة أنها المرة الأولى التي يتم فيها التدخل في عمل جهاز المخابرات بهذه الطريقة، حيث حرص جميع الرؤساء المتعاقبين على الحفاظ على خصوصية الجهاز، واحترام قياداته، وهو أمر لم يعد موجوداً في عهد السيسي، وخاصة في ظل الطريقة «غير اللائقة» التي خرج بها اللواء خالد فوزي رئيس الجهاز، وطريقة إقصاء فريق العمل المصاحب له.






قمة ثلاثية جديدة بشأن سد النهضة

تجري وزارة الخارجية ترتيبات في الوقت الحالي لعقد قمة جديدة يتوقع أن تكون على هامش القمة الأفريقية في نهاية الشهر الحالي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وستجمع تلك القمة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيسين السوداني عمر حسن البشير والإثيوبي هايلي مريم ديسالين الذي اختتم زيارة قصيرة للقاهرة الأسبوع الماضي.
وقالت مصادر مصرية لـ«الأخبار» إنّ السيسي سيشارك في القمة الأفريقية، وسيكون حريصاً على إجراء مناقشات موسعة خلالها مع الجانب الإثيوبي، وبحضور السودان، حول الأمور العالقة في مسألة سد النهضة، في ظل رفض أديس أبابا لاقتراح المصري بأن يتم إشراك البنك الدولي في المفاوضات الخاصة بالمسار الفني. وتخشى القاهرة المماطلة المبالغ فيها التي تقوم بها إثيوبيا خلال الفترة الحالية ومحاولات فرض الأمر الواقع، علماً بأن الأزمة تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال الفترة الحالية بسبب تعمد تعطيل الدراسات الفنية وتسارع وتيرة تنفيذ الإنشاءات الهندسية في السد، الذي ترى فيه مصر تهديداً لأمنها القومي، فيما أنهى ديسالين زيارته الأسبوع الماضي للقاهرة من دون تحقيق أي تقدم ملحوظ.
وكلفت الرئاسة المصرية الجهات المعنية بدراسة إمكانية اللجوء إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في الأزمة التي يحاول السيسي حلّها خلال الفترة الحالية عبر تعاون بين جهات عدة؛ من بينها المخابرات الحربية.