رام الله ــ الأخبار

في سابقةٍ هي الأولى من نوعها، اقتطعت حكومة العدو الإسرائيلي نصف مليون شيقل (ما يعادل 142 ألف دولار) من العائدات الضريبية الفلسطينية، التي تجمعها من المعابر نيابة عنها وعن السلطة، وذلك لتغطية نفقات محكمةٍ طرف الادعاء فيها عملاء فلسطينيون تخابروا مع جهاز «الشاباك» الإسرائيلي، والحجة قرار قضائي أصدرته ما تسمى «المحكمة اللوائية الإسرائيلية».

ففي 17 تموز الماضي، أصدرت تلك المحكمة حكماً لمصلحة 52 عميلاً كانوا قد تقدموا بشكاوى إليها عبر محامين إسرائيليين، ضد السلطة الفلسطينية، وبقيت قيد التداول في أروقة المحكمة منذ سنوات. وفي الدعوى أن هؤلاء العملاء تعرضوا لعمليات تعذيب أثناء اعتقالهم في سجون السلطة ما بين عامَي 1997 و2003.
وما دعّم القضية وجود قسمٍ كبير من هؤلاء في القدس أو حصولهم على الجنسية الإسرائيلية، وهو ما شكّل «دافعاً قانونياً» خوّل المحكمة النطق في القضية، رغم أن اعتقالهم كان في سجونٍ داخل الأراضي التابعة لسيطرة السلطة، إذ أراد أحد مقاربة الأمر من الزاوية القضائية ــ القانونية. أما القسم الأقل من العملاء الذين قدموا الادعاء، فلا يحملون الجنسية الإسرائيلية، لكن المحكمة أصرّت على متابعة قضيتهم، لأن السلطة «ليس من حقها ولا من اختصاصها اعتقال أي رجل كلفته إسرائيل منع الهجمات وفق اتفاق أوسلو وملحقاته، ولذلك إن اعتقال المتخابرين غير قانوني»، وفق الحكم.
ورغم أن اتفاق أوسلو يضمن فعلياً الاحتياجات الأمنية لإسرائيل، بما فيها تجنب اعتقال أو اعتراض حمَلة الهوية الزرقاء ــ الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية ــ وكان على السلطة التزام هذا حتى في ما يشمل العملاء من هذا النوع للحفاظ على الاتفاق، فإن تعنت العدو الانسحاب من بعض المدن بعد سنوات من قدوم السلطة، واستمراره في خرق بنود «أوسلو»، يبدو أنه جعل الرئيس الراحل ياسر عرفات يُصدر أوامره لأجهزة الأمن بمعالجة موضوع العملاء، وقد اعتقل عدد منهم قبيل اندلاع انتفاضة الأقصى وخلالها، وخاصة القاطنين في الضفة المحتلة.
وعلمت «الأخبار» من مصادر رسمية أنه في سنة واحدة احتجز بالمئات متهمون بالعمالة لمصلحة «الشاباك»، وذلك قياساً إلى أن ذروة التحقيق والاحتجاز كانت قبيل اندلاع انتفاضة الأقصى، بين عامي 1999 ــ 2001، لكن غالبية هؤلاء كان يفرج عنهم وفق خطورة تهديدهم أو مستوى الاتهامات المنسوبة إليهم. ومن المهم الإشارة إلى أنه ــ بخلاف غزة ــ لم يُعدم أي من العملاء داخل السجون الفلسطينية، كما ادعى أحد الجواسيس في لقاء مع الإعلام العبري. وتلفت المصادر نفسها إلى أن الإعدامات نُفّذت خارج السجون على يد الفصائل الفلسطينية المختلفة بما فيها حركة «فتح» قبيل عام 2000 وذراعها المسلحة «كتائب شهداء الأقصى» بين عامي 2001 و2002، في الضفة.
من تبقى من العملاء آنذاك، ممن يشكلون خطراً، وعددهم نحو 50، نجحوا في الفرار خلال عملية «السور الواقي» عام 2002 إثر قصف طائرات العدو المقارّ الأمنية واجتياحها المدن والمناطق التابعة للسلطة، وقد هرب معظمهم من سجن «الجنيد» في مدينة نابلس، شمال الضفة، ومقارّ أمنية أخرى إلى الأراضي المحتلة عام 1948 والقدس، ثم عاد عدد قليل منهم إلى حياتهم الطبيعية في منازلهم في الضفة.
وبدأت قضية دعوى هؤلاء بالظهور عبر شاشات الإعلام الإسرائيلي في 19 تموز الماضي، ونقلها الإعلام الفلسطيني ولم يُعقّب عليها أي مصدر رسمي يتبع للسلطة في ذلك الوقت.


طالب المحامون باقتطاع 500 مليون شيقل تعويضات للعملاء

لكن بعد شهرينِ، أي في أواخر أيلول الماضي، نقلت صحيفة «هآرتس» العبرية عن وزارة المال الإسرائيلية أن الأخيرة تدرس اقتطاع نصف مليون شيقل من أموال السلطة لـ«تغطية نفقات المحكمة التي تبتّ الشكوى التي قدمها العملاء». وأشارت الصحيفة إلى أن هذا المبلغ لا يشمل التعويض للعملاء الذين يقولون إنهم تعرضوا للتعذيب، لكنه لتغطية نفقات المحكمة في ظل رفض السلطة تسديد هذه النفقات، فيما وجّه محامو العملاء كتاباً إلى الوزارة طالبوا فيه بتجميد نقل 500 مليون شيقل أخرى تعويضاتٍ للعملاء حين تُصدر المحكمة قرارها النهائي.
وأخيراً، أفاقت الحكومة الفلسطينية على هذه المفارقة، وقالت في اجتماعها الأسبوعي الأخير، أول من أمس، إن اقتطاع مبلغ من العائدات الضريبية هو «مقدمةٌ لسلسلةٍ من الدفعات اللاحقة التي قد تصل إلى ملايين الشواقل»، وإن هذا الأمر «قرصنة إسرائيلية بحق الأموال الفلسطينية، ويأتي ضمن سياسة احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية»، كما أنه وفق مراقبين يأتي في خطوة «إذلال» أخرى في ظل الضغط الأميركي والإسرائيلي على السلطة لمنع الدفع لعائلات الشهداء والأسرى والجرحى، فيما تجبر على الدفع للعملاء.
وبموجب اتفاقات أوسلو المُبرمة عام 1993 بين العدو و«منظمة التحرير الفلسطينية»، تجمع إسرائيل عائدات الضرائب أو «المقاصّة» شهرياً من المعابر والبضائع المستوردة وغيرها من الخدمات المشتركة بين الجانبين، ثم تحولها إلى المالية الفلسطينية. وتُقدّر أموال المقاصّة بـ 130 مليون دولار شهرياً تستخدمها رام الله لصرف الرواتب. أيضاً تنص اتفاقية (بروتوكول) باريس الاقتصادية على حصول حكومة العدو على 30% من العائدات الضريبية الفلسطينية مقابل جباية الأولى لها (3% عن كل دولار)، كون الأخيرة ليست دولة مستقلة.