قلّما كان مشروع برج المعلمين في حي جوبر في دمشق يسترعي انتباه المارة، وربما العديد من منتسبي نقابة المعلمين كانوا يجهلون أصلاً وجود ذلك المشروع وموقعه الجغرافي وغاياته. لكن مع دخول الحي الدمشقي على خط المواجهة العسكرية تغيّر كل شيء، إذ تحول البرج إلى أحد أشهر الأبنية العقارية المثبتة كأهداف استراتيجية على خارطة التحركات العسكرية وأهداف المجموعات المسلحة، والأكثر شيوعاً في التغطية الإعلامية للمعارك الدائرة في الحي المذكور، منذ نحو ثلاث سنوات.


وهذه هي حال كثير من المنشآت العامة والخاصة التي كانت كأبنية بعيدة عن الضوء والاهتمام العام، ثم أصبحت بفعل مجريات الحرب تستحوذ على «الضوء» كله. فأبراج ومحطات الخلوي في المناطق الساخنة مثلاً غدت رغم خروجها من الخدمة هدفاً عسكرياً قد يقلب موازين معركة هنا أو هناك، ويذهب لقاء السيطرة أو المحافظة عليه أرواح العشرات من المقاتلين، فيما شكلت بعض المستشفيات «قبلة» اهتمام السوريين والمتحاربين خلال فترات متباينة من الحرب؛ فمستشفى جسر الشغور الذي لم تكن شهرته تتجاوز ربما المدينة المسمى على اسمها ومحيطها، وصلت شهرته كنقطة علام في معركة إدلب إلى جهات الأرض الأربع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مستشفيَي الكندي ودرعا... وغيرهما.
وحتى المشاريع التي بنت عبر سنوات طويلة من العمل والإنتاج شهرة واسعة لدى السوريين، فقد حوّلتها الحرب إلى مجرد «نقاط علام» في يوميات المعارك والاشتباكات بعد أن أتت عليها تدميراً وتخريباً، وليصبح ذكرها بذلك مرتبطاً إلى حدّ بعيد في أذهان السوريين بتطورات القتال أكثر من ارتباطها بما تقدمه من خدمات ومنتجات وأخبار تهم معيشة المواطن. فمثلاً، الشركة الحكومية المعنية بتصنيع الدواء والمعروفة اختصاراً بـ«تاميكو»، لم يشفع لها تقديمها الدواء الرخيص للسوريين على مدار أكثر من خمسة عقود من تحول مقرها الرئيس الكائن في منطقة المليحة في ريف دمشق إلى هدف عسكري، توّجته المجموعات المسلحة بتفجير ضخم أتى على الشركة بالكامل، بحيث لم يتبقّ منها سوى بعض الركام الذي استمر في المحافظة على اسم «تاميكو» كنقطة علام عسكرية، وذكريات جميلة في نفوس عامليها تروي بعضها الدكتورة رجوة جبيلي، معاونة وزير الصحة سابقاً والمديرة السابقة للشركة، فتشير في حديثها إلى «الأخبار» إلى أنها كلما كانت تشاهد صوراً ترصد الدمار الذي لحق بالشركة كانت تستذكر كيف أن هذا البناء المدمر حالياً حقق أرباحاً وصلت في عام 1996 إلى أكثر من 434 مليون ليرة، وكان قبل الأزمة يستحوذ على 30% من سوق الدواء في سوريا.


لم تعد ذاكرة
مشفى الكندي في حلب حكراً على 200 ألف مريض كانوا يتعالجون فيه سنوياً

تقدر وزارة الصناعة حجم الأضرار المباشرة التي لحقت بشركة «تاميكو» بنحو 5.3 مليارات ليرة، والأضرار غير المباشرة بنحو 11.9 مليار ليرة. وفي التفاصيل التي حصلت عليها «الأخبار»، فإن قيمة الخسائر في المواد الأولية والمنتجة وصلت إلى 1.250 مليار ليرة، وفي خطوط الإنتاج أكثر من 500 مليون ليرة، أما تقديرات الخسائر المتعلقة بالبناء فتتجاوز مليار ليرة.
الأمر نفسه حصل مع معمل الورق الموجود في دير الزور، والذي لم تحرق ألسنة اللهب التي طالته أهميته في خضم المعارك الدائرة هناك بين وحدات الجيش وتنظيم «داعش». تحاول مستشارة وزير الصناعة، الدكتورة رنا عطية، شرح الصور التي استطاعت الوزارة تجميعها من مصادر مختلفة عن مصير المعمل الوحيد في سوريا، فتقول لـ«الأخبار» إنها «صور تعبّر عن مشهد مؤلم، حيث النشوة تبدو واضحة على وجوه المسلحين وهم يضرمون النار بما تبقى من المعمل بعد سرقة ما تيسّر من آلاته وخطوط إنتاجه»، مشيرة إلى أنه في «مقابل تداول أسماء الشركات الصناعية العامة في المعارك الدائرة بين الجيش والمجموعات الإرهابية كانت التقديرات الأولية للخسائر تسجل أرقاماً جديدة»، وهي وصلت في آخر تقديرات لوزارة الصناعة إلى نحو 146 مليار ليرة كأضرار مباشرة، و218 مليار ليرة غير مباشرة.
وما دامت أبنية بعض المنشآت العامة والخاصة قد غدت نقاط «علام»، فهذا يعني أنها تحولت إلى هدف للقنص والقذائف والعمليات الانتحارية، وتالياً فقد كانت هناك خسائر بشرية كبيرة إلى جانب الخسائر المادية. وبحسب رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، جمال القادري، فإن «عدد شهداء الطبقة العاملة وصل وفق تقديرات أولية إلى أكثر من 4700 عامل، منهم 1200 من القطاع العام والباقي من القطاع الخاص»، مضيفاً أن «إصرار العمال على التوجه إلى مناطق عملهم وتحمّل جميع أشكال المخاطر زاد من الأهمية الاقتصادية والمعنوية لمنشآت العمل في القطاعين العام والخاص واستهدافها من قبل المجموعات المسلحة لإخراجها من العمل والإنتاج».
وهكذا، فإن نقاط «العلام» هذه تختزل اليوم بين أبنيتها المدمرة وركام ما بنته في سنوات وعقود العديد من القصص الإنسانية لمدنيين ومقاتلين مروا بها أو دفنوا فيها؛ فلم تعد مثلاً ذاكرة مشفى الكندي في حلب حكراً على 200 ألف مريض كانوا يتعالجون فيه سنوياً، ولا على 100 طبيب كانوا يعملون فيه، ولا على 225 ممرضة كنّ على ملاكه، فهناك مئات الجنود أيضاً دفعوا حياتهم ثمناً للدفاع عن المشفى، ومئات المسلحين قتلوا على أسواره طلباً لـ«تحريره»، وآلاف المرضى الذين لم يجدوا له بديلاً «مجانياً» للعلاج.