القاهرة | «مصر تسعى إلى التقارب مع إيران»؛ التصريح الأخير للصحافي المصري محمد حسنين هيكل قبل أيام أحدث ضجيجاً كبيراً، فهو يقارِب ما كان يتوقعه كثيرون داخل مصر وخارجها لجهة حدوث انفراجة في العلاقات المصرية ــ الإيرانية بعد إتمام الجمهورية الإسلامية الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والدول الخمس الكبار.

وبناءً على أن هذا الاتفاق سيمكّن إيران من التملص تدريجياً من حصارها الاقتصادي من ناحية، ويعطي لها ثقلاً على صعيد السياسة من ناحية أخرى، ذهب بعضهم بكلام هيكل إلى كونه معلومات وليس مجرد رأي شخصي، لأسباب تتعلق بقربه من دوائر الحكم في مصر. تقديرات لم تدم طويلاً بعدما جاء الموقف الرسمي عبر وزير الخارجية سامح شكري ليؤكد أن الاتفاق لم يحرك المياه الراكدة منذ السبعينيات بين البلدين سياسياً واقتصادياً.

وموقف شكري، بالطبع، هو امتداد لما أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي من البداية وفي أكثر من مناسبة، عبر توضحيه أن العلاقة بإيران تمر عبر دول الخليج.

تغيّرت مواقف شيخ الأزهر تجاه إيران ثلاث مرات في الأشهر الماضية

وكان شكري يعلن، في ما قبل الاتفاق النووي، أن مجرد المقاربة مع إيران في ظل «ما يمر به العالم العربي» فكرة غير مطروحة. ورغم أن لهجته صارت أقل حدة بعد الاتفاق الذي رأى فيه أنه «نزع لفتيل التوتر ويمكن أن يؤدي نحو استقرار المنطقة»، فإن كل ذلك لم يغيّر الخط العام للخارجية المصرية: «الحفاظ على الأمن القومي العربي يكون عبر التضامن والتنسيق بين الدول العربية وتدعيم العلاقات العربية ــ العربية التي ركيزتها علاقة مصر و‏السعودية و‏الإمارات»
كل ذلك يراه متابعون أنه ضمن «الاعتبارات المتناقضة» التي تحكم الموقف المصري تجاه إيران، ومن هؤلاء أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد الذي قدّر أن «العلاقات لن تشهد أي تغيير ما دام لدى الأجهزة الأمنية شكوك لم تثبث صحتها بشأن تورط الدولة الإيرانية في مساندة أنشطة الجماعات المسلحة داخل مصر». والأهم من وجهة نظره ليس ذلك، بل خشية القاهرة من أن استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إيران سيؤدي إلى غضب دول الخليج التي تقدم لها «معونات ضرورية وذات قيمة كبرى في ظل أوضاع اقتصادية صعبة».
لذلك، وفي ظل الحديث المتزايد عن سعي إيراني إلى «نشر التشيع»، يعتقد السيد أن العلاقات الباردة ستبقى كما هي، مع أن كثراً آخرين يؤكدون أنها لن تتحول إلى عدائية.
ولعل ورقة التشيّع تستخدم في مصر بين حين وآخر كإشارة ضوئية لإعلان التقرب أو البعد عن إيران، وهو ما جعل مؤسسة الأزهر ــ رغم بعدها عن العمل الدبلوماسي ظاهرياً ــ تعدل موقفها العدائي الذي تبناه شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في غالبية خطبه خلال أيام شهر رمضان الماضي من الشيعة، حينما دعا عقب إقرار الاتفاق النووي علماء الشيعة والسنّة إلى اجتماع يرعاه الأزهر «للتقريب بين المذهبين». لكن بعد ساعات عدّل الطيب نبرته ودعا في بيان طهران إلى وقف «التدخل في شؤون البحرين»، كذلك انتقد تصريحات مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي، بل ذهب إلى التعبير عن تضامنه «شخصياً» ووقوفه مع دول الخليج في كل ما من شأنه حفظ أمنها واستقرارها، وكان ذلك متزامناً مع تصريح مماثل لشكري.
ورغم أن الاتفاق النووي، وقبله «25 يناير» و«30 يونيو»، لم تؤثر كثيراً في مسار العلاقة الثنائية ولم تنه القطيعة بين البلدين، يمكن بدقة ملاحظة أن أياً منهما لم يقدم على عداء الآخر. حتى إن الحديث كان قد كثر في نهاية حكم حسني مبارك عن التقارب، ثم مع حكم جماعة «الإخوان المسلمين» بدأت صفحة جديدة مع الجمهورية الإسلامية، حينما زار محمد مرسي في بدايات حكمه عام 2012 طهران لتسليمها رئاسة «عدم الانحياز». وقد استقبل مرسي بحفاوة بالغة كونه أول رئيس مصري يزورها، ثم زار الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد القاهرة، للمشاركة في قمة «منظمة التعاون الإسلامي»، وهو أيضاً أول رئيس إيراني بعد الثورة يزور القاهرة.
بعد ذلك، عادت العلاقات إلى البرودة بسبب مواقف مرسي المتعلقة بسوريا. ومع أنه مع مجيء السيسي إلى الحكم والحضور الإيراني ممثلاً بحسين أمير عبداللهيان لتهنئته بانتخابه رئيساً، كان يتوقع أن تتحسن العلاقات في ظل شبه الاتفاق بين الرؤية المصرية والإيرانية على الحفاظ على المؤسسات السورية ومنع سقوط الدولة، فإن السيسي قطع الطريق برفعه شعار «أمن الخليج».
رغم ذلك، يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط أحمد عبد الستار، أن إقامة علاقات مع إيران «ضرورة لا يمكن تجاوزها»، مشيراً إلى أنه لا بد للقاهرة من «رؤية خاصة في تعاملها مع إيران تنفصل عن الموقف الخليجي، وبخاصة على الصعيد الاقتصادي وضرورة توسيع التبادل التجاري الذي يقف عند 100 مليون دوﻻر فقط، منذ مدة طويلة».
وفي حركة التنقلات الأخيرة للسفراء التي أقرّها السيسي وردت معلومات عن إعادة تفعيل التمثيل المصري في طهران بتعيين محمد حلمي رئيساً لمكتب رعاية المصالح المصرية، وقد سبق ذلك أنباء أفادت بأن رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، مجتبى أماني، قد أبلغته السلطات المصرية في شهر نيسان الماضي ما قالت إنه «بعض الملاحظات حول ضرورة اتساق عمل البعثة الإيرانية مع قواعد العمل الدبلوماسي المعمول بها».