سوتشي | بعد سبع سنوات من الحرب والتدمير والتهجير والتدخلات الخارجية، يعود السوريون إلى طاولة الحوار الوطني، للمرة الأولى منذ حوار «مجمع صحارى» الذي انعقد في دمشق (تموز 2011)، لكن في مدينة سوتشي الروسية، على الضفاف الشرقية للبحر الأسود. تكاد عبارة «السّلام للشعب السوري» وعلم البلاد ذو النجمتين الخضراوين، لا يوفّران مبنىً أو جسراً أو سيارةً في المدينة السياحية الصغيرة، إلّا وعلقهما عليها المنظّمون.


عند العاشرة من صباح اليوم، تنطلق أعمال مؤتمر الحوار السوري، بمشاركة أكثر من 1500 شخصيّة مدعوّة من داخل سوريا وخارجها. وبحسب مصادر روسيّة متابعة لتنظيم المؤتمر، سيلقي وزير الخارجية سيرغي لافروف، كلمة الرئيس فلاديمير بوتين، وهي عبارة عن رسالة موجّهة للحاضرين. فيما سيلقي المبعوث الدولي للأمم المتحدة ستيفان دي مستورا، كلمة الأمم المتّحدة، ثم تغلق قاعات المؤتمر على الحاضرين بعيداً عن الإعلام، ليبدأ النقاش والتصويت في اللجان والتحضير للبيان الختامي وخلاصاته. وحفل يوم أمس بحضور المئات من المشاركين، الذين توزّعوا على مجموعة فنادق خصصتها الحكومة الروسية لأعمال المؤتمر. وحتى ساعات متأخرة من ليل أمس، كانت ورشة اللقاءات والاجتماعات لا تزال نشطة، في ظلّ مشاركة دي مستورا في المؤتمر، وسعي روسيا لتوسيع قاعدة المشاركين وتقريب وجهات النظر حول النقاط الخلافية، كما تشكيل اللجان التي من المتفرض أن تنبثق من المؤتمر، ولا سيّما لجنتا الإصلاحات الدستورية ولجنة الإشراف على الانتخابات. وتركزت معظم المشاورات حول البيان الختامي، فيما أشارت معطيات عديدة إلى أن تركيا ما زالت تمارس ضغوطات كبيرة على «هيئة التفاوض» المعارضة لدفعها إلى المشاركة في المؤتمر، بعدما أعلنت مقاطعته بتشجيعات من واشنطن وحلفائها الغربيين.


ضغطت تركيا على
«هيئة التفاوض» المعارضة لحضور المؤتمر
ونقلت عدة مصادر صحافية تركية تأكيدات عن هذا التوجه، فيما أوضحت أن نحو 90 شخصية وصلت إلى سوتشي انطلاقاً من تركيا، تضم ممثلين عن عدة مكونات سورية معارضة. ويجري الحديث عن مشاركة عدد من المجموعات المسلحة في المؤتمر، وسط تكتّم روسي على هويتها، ومن المرجّح أن تكون من المجموعات التي تملك قنوات حوار مع الجانب الروسي عن طريق مركز المصالح في قاعدة حميميم.
وترجح المعلومات أن يتبنى البيان الختامي للمؤتمر، الذي سيصدر في نهاية اللقاءات، البنود الـ 1 التي صاغها مستشار دي ميستورا السياسي، فيتالي نعومكين، رئيس معهد الاستشراق في روسيا. وأفادت معطيات بأن لجنة الإصلاحات الدستورية التي يفترض أن تنبثق من المؤتمر، ستكون برئاسة أحمد الكزبري، عضور الوفد الحكومي السوري إلى محادثات جنيف (فيينا) وأستانا. وفي حديث على هامش اللقاءات التحضيرية أمس، رأى المعارض هيثم مناع أن المؤتمر «فرصة للقاء السوريين لأول مرة وجهاً لوجه»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك فرصة حتى للنظام للتهرب من الحوار، ومن يرفض الحضور فليقل لنا ماذا قدّم». وبدوره رأى رئيس «تيار الغد السوري» أحمد الجربا، أن اللقاء «فرصة لدفع العملية السياسية قدماً، ولتثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق المعتقلين».
وبدت واضحة منذ تسريب ما سمّي «المبادرة الخماسية» قبل أيام، النيّة الغربية ــ الأميركية والفرنسية تحديداً ــ لإفشال المؤتمر، كما يؤكّد أكثر من مصدر مشارك فيه. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن الأميركيين أبلغوا من يعنيهم الأمر أول من أمس، نيتهم المشاركة في المؤتمر عبر ممثلين دبلوماسيين من السفارة الأميركية في موسكو، قبل أن يعودوا ويتراجعوا عن المشاركة عبر بيان صدر أمس. إذ قالت السفارة الأميركية في موسكو إن الولايات المتحدة لن تشارك بصفة مراقب في مؤتمر الحوار السوري، مشيرة إلى احترامها قرار «هيئة التفاوض» المعارضة برفض المشاركة في المؤتمر. وبدورها أكدت فرنسا غيابها عن المؤتمر، عبر وزير خارجيتها جان ايف لودريان، الذي قال إن «(اجتماع) فيينا فشل لأن النظام لم يكن حاضراً في المفاوضات، حيث كان ممثلاً بالشكل... وأعتقد أن (اجتماع) سوتشي لن (يسمح) أيضاً بإحراز تقدم، بما أن مكوناً رئيسياً سيغيب (في إشارة إلى المعارضة) نتيجة رفض النظام التفاوض في فيينا». وبالتوازي، لا يزال التخبّط واضحاً على إمكانية مشاركة أكثر من دولة مدعوّة، مثل السعودية والأردن ودول غربية أخرى، في ظلّ الضغوط الأميركية للمقاطعة، فيما تتحفّظ المصادر الروسية على الجهود المبذولة لتأمين حضور جميع المدعويين ومواجهة الضغوط الأميركية.
غير أن السعي الغربي لإفشال المؤتمر، لا يثبّط من عزيمة الروس والسوريين المشاركين فيه. وتختصر مصادر معنيّة بالمؤتمر، أهمية سوتشي بالنقاط الآتية:
أولاً، في بداية مسار محادثات أستانا، حاول الأميركيون ومعهم دول غربية وعربية إفشال اللقاءات وتصويرها على أنها غير ذات قيمة وفعالية، لكن بعد عام، تبيّن أن مسار أستانا قلّص الأعمال العسكرية بشكل كبير جدّاً، لم ينه العمل العسكري، لكنّه حصر مناطق الصراع وأدخل البلاد في اتفاقيات «تخفيف التصعيد» التي تنتج حواراً ومصالحات بالنتيجة. وكل ما يبني مسار «جنيف» (فيينا) عليه، هو ما نتج من «أستانا»، التي لو لم تحصل لكانت الأزمة إلى تفاقم وليس إلى انحسار.
ثانياً، إن مسار «سوتشي» يشبه مسار «أستانا»، لكن في السياسة هذه المرّة. فهو يحوز دعم القوى الإقليمية المعنيّة، وشريحة كبيرة جدّاً من الشعب السوري، وبالتالي إن مسار سوتشي عمليّة حوارية تراكميّة، من دونها لن يكون هناك أمل للحلّ السياسي.
ثالثاً، ترسم الرغبة الأميركية والغربية مساراً لسوريا، يشبه في أحسن أحواله تسوية «الطائف» اللبنانية بالتفاوض بين المتحاربين على تقسيم البلاد بين الطوائف، فيتحوّلون إلى فئات تقع تحت تأثير القوى الخارجية ويعبّرون عن مصالحها، بينما التجربة الحوارية ترسم مساراً لإصلاح الدولة السورية وليس إلى تقسيمها (وهنا يجب التذكير بأن الروس لم يعلنوا صراحةً حتى الآن إهمال المبدأ الفدرالي، باعتباره حلّاً وسطاً أمام طروحات تقسيم البلاد، لكن يبدو هناك حرص واضح من المشاركين في المؤتمر على طرفي الحوار، لرفض تقسيم الدولة). وهنا تذكّر المصادر بأن «سوتشي» حوار وليس تفاوضاً، لأن التفاوض يكون بناءً على سيطرة مجموعة ما على بقعة جغرافية ما وتطالب هذه الفئة بـ«حقوقها»، فيما الحوار يتعامل مع الحاضرين من خلفية تحقيق الإصلاح في الدولة السورية الواحدة.
رابعاً، تثبت سوتشي اليوم وجود مدن شرقية ستملك شهرة مستقبلية بفضّ النزاعات، إذ غالباً ما اشتهرت المدن الغربية بعمليات الحوار والتفاوض، جنيف، فيينا، أوسلو، باريس، روما، بروكسل، حتى الدوحة والرياض واقعة تحت التأثير الغربي، أي إن روسيا تحاول فرض واقع جديد على الساحة الدولية.