البداية من الأسبوعين الأولين من شهر تموز الجاري. كانت المفاوضات بين حركة «أنصار الله» وعدد من القادة الجنوبيين في العاصمة العمانية مسقط جارية على قدم وساق. الجولات التفاوضية كانت على وشك التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب قوات الجيش و»اللجان الشعبية» اليمنية من المدن الجنوبية وتسليمها إلى قوى جنوبية وطنية موثوق بها قطعاً للطريق على «القاعدة» وبقية الأذرع المتطرفة. بوادر اتفاق سرعان ما وصلت أنباؤه إلى السعودية التي تلمست خطراً داهماً يقضي على أي أمل لها بالخروج ولو بانتصار معنوي. رافق ذلك صعود الدخان الأبيض من غرف التفاوض في فيينا واستشعار الرياض تطوراً تاريخياً يمكن أن يدفع بالنفوذ الإيراني في المنطقة قدماً؛ فجاء القرار بغزو عدن.


قرارٌ لم تكن السعودية لتقدم على اتخاذه لولا اندفاع بعض الحلفاء الخليجيين باتجاه ميدان المعارك. فحكام الرياض أدركوا جيداً صعوبة توريط قواتهم في الوحول اليمنية، وبناءً عليه لم يكن أمامهم إلا الإصغاء للنصيحة الإماراتية بإنزالات ضخمة تقودها أبو ظبي في عدن.

الإمارات والسيطرة على ميناء عدن

قيادة الإمارات للهجوم الذي أطلقت عليه اسم «السهم الذهبي»، تعود إلى جملة أسباب سياسية واقتصادية، لعلّ أبرزها ما يأتي:
لم يكن من السهل على آل نهيان تقبّل سيادة القوى الجنوبية غير المرتبطة بالعواصم الخليجية على موانئ عدن. سيادةٌ من هذا النوع كانت ستفتح الباب أمام عملية إصلاح وتطوير تجتث رؤوس الفساد وتوطئ لعودة الموانئ المذكورة إلى أوج ازدهارها حينما تصدّرت التجارة الحرة في الشرق الأوسط، ومثلت محطة رئيسية في طريق الملاحة البحرية الدولية المطلّة على مضيق باب المندب وخليج عدن. ريادة حاولت أبو ظبي على مرّ السنوات الماضية القضاء عليها. شكلت «شركة موانئ دبي» الأداة التنفيذية لذلك المخطط بالتعاون مع وجوه الفساد في اليمن. في تشرين الثاني من عام 2011، أبرمت اتفاقية بين الجانبين اليمني والإماراتي، تنص على تسليم ميناء المعلا للحاويات ومحطة «كالتكس» لمؤسسة «موانئ خليج عدن 50%، لرجل الأعمال اليمني عبدالله بقشان 30%، ولشركة موانئ دبي 20%. ورغم ضآلة حصة الإمارات، مقارنة بالحصتين اليمنيتين، تم منح الإمارات حق التشغيل بامتياز والتصرف في الميناء والمحطة كما يحلو لها.

تحركات قطرية تسارعت مؤخراً على خط إعادة إحياء ميليشيات حزب «التجمع اليمني للإصلاح»

هذا التصرف نحا بوضوح إلى التنصل من الاتفاقية التي تنص على تحديث الموانئ وتطويرها والتجرؤ على عملية تدمير ممنهجة استمرت نحو 4 سنوات. هكذا تعرضت معدات ميناء المعلا ومحطة «كالتكس» للتآكل التدريجي، فيما خرج بعضها من الخدمة كلياً جراء امتناع شركة «موانئ دبي» عن إجراء الصيانة اللازمة المكلفة بها. وبحسب مصادر يمنية مطلعة، لم تكن عملية الصيانة لتكلف أكثر من مليون ريال يمني يسهل إنفاقه بالنظر إلى ما كلفه شراء المعدات من ملايين الريالات بل الدولارات.
يضاف إلى ما تقدم، أن الشركة الإماراتية عمدت منذ تسلمها ميناء المعلا إلى رفع تعرفة حاويات الترانزيت بنسبة 80%، وهو ما حمل الخطين الملاحيين الرئيسيين (pil وapi) صاحبي النصيب الأكبر من المعاملات المشغلة للميناء إلى تحويل مساراتهما. وخلافاً لما نصت عليه الاتفاقية بوجوب العمل على الدفع بآلاف البواخر نحو ميناء المعلا وتوسيع محطة «كالتكس» للحاويات حتى تتمكن من استقبال السفن العملاقة، اتبعت شركة «موانئ دبي» سياسة ترقيعية تقوم على سد النقص في كل من المنشأتين بالتبادل، مضاعفة بذلك حالة الاهتراء والركود.
علاوة على ذلك، تورطت «موانئ دبي» في بيع المعدات وقطع الغيار الصالحة للاستعمال على شكل خردة لتجار السوق، بل إنها حاولت تهريب أثاث ومعدات بتوجيهات من مديرها. إلا أن اللجنة الإدارية المشتركة أحبطت عملية التهريب واتهمت الشركة بالتعدي على المال العام وخرق القانون. اتهامات أضيف إليها لاحقاً انتهاك حقوق العمال وفتح حسابات وهمية في البنك الأهلي اليمني. ورغم ثبوت الإدانة بموجب قرار المحكمة التجارية الابتدائية، تمكنت شركة «موانئ دبي» من «النفاد بجلدها» بعدما وجهت حكومة محمد سالم باسندوة آنذاك بإغلاق ملف القضية المرفوعة ضد الشركة.
يمكن القول إنها «عراقة إماراتية» في تخريب المرافق الحيوية في اليمن. عراقة لا يبدو معها مستغرباً اندفاع أبو ظبي نحو التضحية بضباطها في مدينة عدن. هذا الاندفاع ربما يؤتي ثماره إذا ما تمكنت الدول الخليجية من تثبيت التطورات العسكرية التي شهدتها المدينة أخيراً. حديث المحافظ المعيَّن من قبل هادي نائف البكري عن «تأهيل مطار عدن ومينائها من قبل الأشقاء في عاصفة الحزم وفي مقدمهم الإمارات»، واشتراك فريق فني إماراتي في إعادة تشغيل المطار ووصول سفينة إماراتية إلى الميناء يوم الثلاثاء الماضي، كلّها مؤشرات تنبئ باحتمال عودة أبو ظبي إلى مسرح الاستثمارات في عدن.
عودة لا يبدو الجانب السياسي معزولاً عنها. مصادر يمنية تؤكد لـ«الأخبار» أن تحركات قطرية تسارعت في الآونة الأخيرة على خط إعادة إحياء ميليشيات حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون). وكثفت الدوحة في الأسابيع القليلة الماضية عملية ضخ الأموال لمصلحة الجمعيات التابعة للحزب العاملة في عدن تحت ستار النشاطات الحقوقية والإنسانية. تحركات أثارت ريبة الإمارات واستفزت خشيتها من تمدد قطري في الجنوب يغلق الأبواب أمام الرياض وأبو ظبي.
مبادرة إماراتية للحلّ
الخشية والطمع الإماراتيان، ولدا على ما يبدو ديناميات كسرت الستاتيكو الذي تم إرساؤه في عدن طيلة الأشهر الثلاثة الماضية، ما أظهر أنه أشعل النار في رؤوس حكام الإمارات المنتشين بـ«الانتصارات المتلاحقة» في المدينة. وحديث المصادر اليمنية عن مبادرة إماراتية لإنهاء الأزمة في اليمن يشي بنيّة أبو ظبي تثمير «التضحيات» التي بذلتها وفرض وقائع سياسية تتجاوز بأشواط ما تم «إنجازه» في عدن. وعلمت «الأخبار» أن المبادرة المذكورة تنصّ على تبني الإمارات، ما يسمى «المقاومة الشعبية» في الجنوب ودعمها بالسلاح والمقاتلين، حتى إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل شهر آذار الماضي. وتنص المبادرة على تسليم المناطق الجنوبية «لشخصيات معتدلة كخالد بحاح ونائف البكري وغيرهم». أما هادي وعلي محسن الأحمر وعبد المجيد الزنداني وعبد الكريم الأرياني، فيبقون في قطر أو الكويت أو السعودية لمدة غير محدودة، ومن ثم يتم السماح لهم بالعودة، شرط عدم ممارستهم أي نشاط سياسي أو عسكري.
وتضيف المصادر إن الإمارات تتطلع إلى إجبار «أنصار الله» على التراجع إلى الشمال، وتعظيم دور قائد «الحرس الجمهوري» السابق أحمد علي عبدالله صالح ذي الارتباط الوثيق بأبو ظبي في أي ديناميات مقبلة. ومن ضمن ما تحمله المبادرة الإماراتية كذلك، حل الأحزاب الإسلامية والاستفتاء على الوحدة ووضع اليمن تحت الوصاية الخليجية لعامين، ومن ثم ضمه إلى مجلس التعاون والتكفل بإعادة إعمار الأراضي اليمنية وتأهيلها، وفقاً للمصادر اليمنية. وتعتبر المصادر أن الحديث الإماراتي عن «دعم المقاومة» وإغراء الجنوبيين بالانفصال والتلويح بوصاية خليجية إنما يستبطن سعياً سعودياً إماراتياً إلى تقسيم الجنوب لمناطق نفوذ ترضي تطلع المملكة المتقادم للاستيلاء على حضرموت وطموح الإمارات إلى «دبي ثانية» على خليج عدن تكون تحت هيمنتها بالمطلق. وتتابع المصادر إن ثمة تحفظاً سعودياً على عدد من بنود المبادرة الإماراتية، إلا أنه تحفظ قابل للترويض في حال نجاح الإمارات في تنفيذ المهمات العسكرية الموكلة إليها.