الجزائر | يجتمع اليوم حزب «جبهة العدالة والتنمية» ليقرّر مصيره ضمن «تنسيقية الانتقال الديموقراطي»، وهي تكتّل سياسي معارض في الجزائر يضم أحزاباً عدة وتشكّل منذ نحو عام ونصف إثر رفض ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لعهدة رابعة.

وتتمثل أبرز أطراف «التنسيقية» بأحزاب «جيل جديد» و«حركة مجتمع السلم ــ حمس» و«جبهة العدالة والتنمية» و«حركة النهضة»، لكن ما يمكن اعتباره أبرز تجمع معارض في الجزائر تعرّض لهزة داخلية إثر اجتماع منفصل عُقد في الثامن من الشهر الجاري بين رئيس «حمس»، عبد الرزاق مقري، ومدير ديوان الرئاسة الجزائرية رئيس حزب «الآرندي» (المشارك في الحكم)، أحمد أويحيى. ووصّف البعض الخلاف الناشئ بأنه خلاف بين «إخوان الجزائر» بشأن طبيعة وآليات العلاقة مع السلطة.

وتحت هذا السقف، يأتي اجتماع حزب «جبهة العدالة والتنمية» اليوم، بعدما كان رئيسه، عبد الله جاب الله، قد استنكر اللّقاء على اعتبار أنه حصل خارج إطار «التنسيقية» التي من المفترض أن تكون لقاءاتها بالسلطة «جماعية». وقال جاب الله إنه ما دامت كل الأطراف قد اتفقت على مشروع سياسي معيّن، يجب أن تكون قناة الاتصال مع السلطة جماعية.
كذلك، اعتبر عمر خبابة، وهو القيادي في «العدالة والتنمية»، أنّ التقاعس في تحديد موقف واضح وصارم ضمن «التنسيقية» حيال لقاء مقري بأويحيى، يُضعف بُنية «التنسيقية» التي وصّف بعض أعضائها بالقول: «يريدون قدماً في التنسيقية وقدماً خارجها».

يُلاحظ أن مواقف بعض الأحزاب «المعارضة» بدأت بالتغيّر وأصبحت أكثر ليونة

وبينما وقفت التطورات المتصلة بالحدث على تباينات بين بقيّة أطراف «التنسيقية»، وراوحت بين اللّوم وضرورة تسوية الموضوع داخلياً، تلقى رئيس «حمس»، عبد الرزاق مقري، «مباركة» واضحة لخطوته من قبل رئيس حزبه السابق وعضو مجلس شورى الحزب، أبو جرّة سلطاني. وفي حين أنّ لسلطاني أهدافاً لإعلان «مباركة» كهذه، جدير بالذكر أنها تأتي بعد خلافات عديدة دارت في الآونة الأخيرة بين الرجلين، وصلت بمقري إلى حد توجيه إنذار لسلفه برئاسة الحزب، دعاه من خلاله إلى «الانضباط».
وأشار سلطاني إلى أهمية الحوار بين المعارضة والسلطة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ خروج «حمس» من الحكومة (في 2012) لا يعني أنّها يجب أن تعادي السلطة «بل هو موقع وتغيّر». ودعا سلطاني إلى محاورة أطراف أخرى مثل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني ــ الأفالان» الحاكم، عمار سعداني.
وبشأن ردود فعل أعضاء «التنسيقية»، قال أبو جرة سلطاني: «يحق لهم اللّوم إذا كان مقري قد ذهب باسم التنسيقية، أما وقد ذهب للرئاسة باسم حمس، فمن غير الطبيعي أن يظهروا امتعاضهم». وعن موقع «حمس» ضمن «التنسيقية»، قال إن حزبه أضاف الكثير لها وأنّه لو حصل وخرج منها، ستفقد «التنسيقية» في حينه جزءاً كبيراً من حركيتها. ورأى كذلك أنّ عبد الله جاب الله رجل سياسي له خبرة، ووحده يعرف متى يأخذ قراراً بالبقاء أو الخروج من «التنسيقية».
وفي نفس الوقت، قال سلطاني، إن «حمس» لا يمكنه أن يظلّ في السلطة للأبد ولا في المعارضة للأبد، إذ هو حركة مستقلّة تخضع أولاً وأخيراً لمجلس الشورى فيها، مضيفاً أنه تحتّم على الحزب في هذه اللحظة أن يكون سلساً وأن يمتلك القدرة على الحوار مع كل الأطراف. لكن هذه السلاسة تُفسّر بالازدواجية من قبل «جبهة العدالة والتنمية»، الأمر الذي يدفعها إلى تقرير المصير داخل «تنسيقية الانتقال الديموقراطي».
ويرى متابعون للشأن السياسي أنّ «جبهة العدالة والتنمية» تواجه ثلاثة خيارات (كما عنونت جريدة «الخبر» في مقال لها)، وتدور حول: تجميد العضوية في انتظار قرار نهائي، الاستمرار في «التنسيقية» مع مراجعة مواقف الأطراف ووضع قواعد لقنوات الاتصال مع السلطة، أو الانسحاب من «التنسيقية» التي كانت هي أحد مؤسسيها.
لكن عموماً، وبخلاف ما ستؤول إليه الأمور، يُلاحظ أن مواقف بعض الأحزاب التي تتبنى صفة المعارضة بدأت بالتغيّر قليلاً وأصبحت أكثر ليونة تجاه وضع البلاد السياسي والاقتصادي والأمني، وتجاه السلطة نفسها.
ويمكن أنّ تفسر هذه الأجواء بالإخفاق الذي واجهته تلك الأطراف بعد ما يقارب عاماً ونصف عام على بداية العهدة الرابعة للرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، وخصوصاً الإخفاق في استثمار العراقيل والمشاكل الداخلية التي حاولت هذه الأحزاب أن تتخّذ منها ركيزة لتوسيع قاعدة شعبية تمكّنها من تحدّي السلطة. ونرى اليوم تراجعاً في حدّة المواقف، وبخاصة موقف عبد الرزاق مقري، الذي انصاع لمجلس شورى حزبه، والتقى بأحمد أويحيى.
وقد حاول مقري، خلال الأيام الماضية، التخفيف من ثقل مبادرته للقاء أويحيى بقوله إن استراتيجية الحزب لا تزال في سياق المعارضة، في وقت أنّ تصريحاته والخط الذي اتخذه الحزب تحت رئاسته ربما لم يعجب الكثيرين داخله خصوصاً أنّ هذا الحزب «خدم» لأكثر من عقد داخل الحكومة ووجد نفسه خارج اللّعبة مع وصول مقري إلى رئاسته.
وحتى أمس، حاول عبد الرزاق مقري استعادة زمام الأمور حين قال في لقاء «مجلس الشورى الوطني» لحزبه إنّ «الذي اتهمنا بأننا ذهبنا للمشاورات مع المسؤولين في الدولة الجزائرية من أجل المساومة للرجوع للحكومة، ظالم معتد»، مضيفاً: «لقد أعلنا المشاورات بشكل علني وبيّن... ولا يزال مشوارنا متواصلاً». وتابع قوله: «سنحافظ على وحدة المعارضة وتماسكها، وسنبقى نغار على استقلال مؤسساتنا الحزبية وسيادتها، ضمن توازن بديع تحسنه حركة مجتمع السلم يكون كله لمصلحة الجزائر».
عموماً، إنّ السؤال الذي يبقى معلّقاً بشأن كل المبادرات والتصريحات التي تقوم بها أحزابٌ ظلّت لفترة طويلة تحسب مسافتها من السلطة كلّما ابتعدت عنها: هل يُمكننا اليوم الحديث عن انتقال ديموقراطي سلس وسلمي في الجزائر؟ الأكيد أنّ قرار «جبهة العدالة والتنمية» بشأن مصيرها في «التنسيقية» سيكون في أحد جوانبه بداية جواب على هذا السؤال.