شهدت الأيام الماضية تصعيداً غير مسبوق بين السلطة التنفيذيّة، ممثلة بوزارة الداخليّة، و«النقابة الوطنيّة للصحافيّين التونسيّين». شرارة التصعيد تمثّلت في تصريحات لوزير الداخلية لطفي براهم، في «لجنة الأمن والدفاع» البرلمانيّة، أشار فيها إلى رصد مكالمة ليليّة بين أحد الصحافيّين الأجانب ومحتجين بداية هذا الشهر، إضافة إلى استخدامه نبرة تهديديّة تُجاه المدونين.


وفي ردها على تصريحات الوزير، أصدرت نقابة الصحافيّين بياناً، اعتبرت فيه أن الداخليّة عادت إلى «سياساتها القمعيّة تجاه الصحافيّين»، وضمّنته نماذج من انتهاكات تعرّض لها صحافيّون في المدة الأخيرة، واعتبرتها عقاباً لهم على استقلاليّتهم.
لم يقف التصعيد عند ذلك الحد، إذ اجتمعت نقابة الصحافيّين مع «الجامعة التونسية لمديري الصحف» واتفقتا على أنّ السّلطة التّنفيذيّة تريد خنق الصحافة وتطويعها باستخدام الأمن والمال من خلال تمنّعها عن تقديم الدعم لها وفقاً للاتفاقات السابقة، وتركها بالتالي فريسة لأصحاب النفوذ السياسيّ و/أو الماليّ. توافق بالتالي الهيكلان المسيّران للصحافة، الصحفيّون وأصحاب الصحف، على دفع التصعيد قدماً.


تخشى نقابة
الصحافيين إعادة القبضة الأمنيّة
على الإعلام


حاول خليفة الشيباني، وهو المتحدث الرسميّ باسم وزارة الداخليّة، الذي اتهمه بيان نقابة الصحافيّين بتجاهل استفساراتها وشكاواها، تبرير تصريحات وزيره. وقال إنّ التصريحات قد حُرِّفت، إذ لم يتحدث الوزير عن رصد مكالمة، بل عن رصد سيارة أجنبيّة تتواصل مع محتجين، فجُلبَ صاحبها ومن ثمّ أُطلق سراحه فور تبيّن صفته الصحافيّة. لكن كلام الشيباني لم يترك أثراً يُذكر على ردود الأفعال.
يوم أمس، أرسلت نقابة الصحافيّين رسالة مفتوحة إلى الرؤساء الثلاثة، تضمّنت نقاط الاحتجاج، واعتبرت أنّ تلك الممارسات «ليست معزولة، بل تمثّل سياسة دولة في محاولة لإعادة القبضة الأمنيّة على الإعلام، ونسف أهمّ مكتسبات الثورة»، إضافة إلى توجيه شكوى رسميّة إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعنيّ بتعزيز وحماية الحقّ في حريّة الرأي والتعبير، والطلب بفتح بحث أمميّ في الموضوع. وأعقب الرسالة بلاغ أُقر بموجبه يوم الغد 2 شباط/ فيفري «يوم غضب» يحمل فيه الصحافيون الشارة الحمراء وتخصص له مساحة في مختلف وسائل الإعلام تحمل عنوان «الصحافة التونسيّة في غضب». إلى جانب ذلك، دعا البلاغ الصحافيّين إلى الامتناع عن تغطية أنشطة وزارة الداخليّة والنقابات الأمنيّة التي شنّت حملات في حقّ العاملين في القطاع.
ترك البلاغ باب التصعيد مفتوحاً، حيث لم تستبعد إمكانيّة إقرار الإضراب العام. ويبدو أنّ النقابة تحمل موقفاً سلبيّاً خاصّاً من الوزير الحاليّ والمتحدث الرسميّ باسم الوزارة، خاصة أنّ محمد أمين الجلاصي، وهو عضو المكتب التنفيذي للنقابة، صرّح بأنّ الاعتداءات تصاعدت منذ توليهما مقاليد المسؤوليّة. لكن ما لم يقله الجلاصي علانية حقيقة أنّ لهذين المسؤولين خلفيّة أمنيّة، وأنهما على عكس جميع وزراء الداخليّة السابقين وأغلبية المتحدثين الرسميّين الذين كانوا «مدنيّين» قادمين من خارج الوزارة، فقد جاء كلاهما من سلك «الحرس الوطنيّ»، وهو جهاز أمنيّ شبه عسكريّ تابع للداخليّة. وقد يكون لذلك دور في تصاعد العنف الأمنيّ، إذ إنّ وجود اثنين من «أبناء» الوزارة على رأسها قد يحدُّ من إمكانيّتها على ضبط تصرفات عناصرها في ظل غياب الحياد اللازم.
في غضون ذلك، لم يقف العنف عند حدود الصحافيّين، بل تجاوزهم إلى المحتجين. فعلى امتداد بداية الشهر الماضي، حصدت الحملة الأمنيّة ما يقارب ألف موقوف، في سابقة لم تحصل منذ سقوط نظام بن علي. وأصدرت «هيومن رايتس ووتش» أمس، بياناً حمل عنوان «ممارسات تعسفيّة أثناء الاحتجاجات». وأشار البيان إلى ما تعرض له عدد من الموقوفين، وذكر، طبقاً لشهادات متضررين ومعاينات قامت بها المنظمة، حالات تعرض فيها موقوفون للضرب وحرمانهم الحق في الاستعانة بمحام. وقد شملت حالات الإيقاف شباناً من حملة «فاش نستناو؟» (ماذا ننتظر؟) كانوا بصدد توزيع مناشير تدعو إلى الاحتجاج السلمي على قانون المالية (الموازنة) الذي رفع الضرائب وأقرّ حزمة إجراءات تقشفيّة جديدة.
أما الحالة الأكثر غموضاً التي تعرض لها البيان، فهي قضيّة مقتل خمسي اليفرني في مدينة طبربة الواقعة في ضواحي العاصمة. تقول وزارة الداخليّة إن اليفرني توفي جراء وجوده في منطقة تصادم بين الأمنيّين والمحتجين وقد تأثر بالغاز المسيل للدموع، وهو يعاني أصلاً من ضيق التنفّس. لكن شهود عيان، أكدوا، مستندين إلى تسجيل للحادثة، أنّه قُتل دهساً بسيارة تتبع لـ«الحرس الوطنيّ». وبين الروايتين لا يزال تقرير الطبّ الشرعيّ غير متوافر للتثبت من الأمر، رغم مضي أكثر من أسبوعين على الحادثة.
ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها صحافيّون ومحتجون للعنف، فقد عرفت العلاقة بين وزارة الداخليّة والمجتمع بصفة عامة حالات مد وجزر على امتداد السنوات الماضية. لكن هذه المرة يبدو أن موجة العنف قد تجاوزت المعهود، وقد دفعت بالتالي الصحافيّين والمجتمع المدنيّ إلى التصعيد وعدم الاكتفاء بالإجراءات والتبريرات «المُسكّنة» المعهودة.