الرباط | لمرة هي الأولى منذ عام 1997، يبدو أنّ الأمم المتحدة تتجه إلى رعاية «مفاوضات مباشرة» بين المغرب وجبهة «البوليساريو» المتصارعين حول «إقليم الصحراء» منذ عام 1975. جاء الإعلان في مستهل الأسبوع الجاري على لسان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة استيفان دوغريك، في مؤتمر صحافي انعقد في مقر المنظمة الدولية في نيويورك، وقال فيه إنّ جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين سوف تبدأ في العاصمة الألمانية برلين، في مطلع هذا الشهر.


وبينما لم يُعلن الأخير عن طبيعة هذه المفاوضات، مكتفياً بالقول إنّها ستكون تحت رعاية المبعوث الشخصي للأمين العام هورست كوهلر، فإنّ تقارير صحافية معروفة بقربها من السلطة في المغرب، سرّبت أنباء تتحدث عن كون هذه المفاوضات «سوف تجري بشكل مباشر». ومما عزز هذا التوجه أنّ المتحدث باسم «حكومة البوليساريو» (حكومة الجمهورية الصحراوية الشعبية الديموقراطية) الطالب عمر، أعلن في حديث إذاعي أنّ «قيادة البوليساريو ستدرس طلب الأمم المتحدة المتعلق بقيام مفاوضات مباشرة مع المغرب في برلين مستهل شباط/فبراير 2018».
وفي التفاصيل، فإنّ مسؤولاً رفيعاً في وزارة الخارجية المغربية، أكد في حديث إلى «الأخبار»، أنّ المفاوضات «سوف تبدأ في مستهل الأسبوع المقبل في برلين»، مشيراً في سياق حديثه إلى «تقرير حديث» قدّمه الموفد الأممي إلى الصحراء هورست كوهلر، «في إطار الإعداد إلى المفاوضات»، ويشمل «إمكانية تعديل الاتفاق العسكري رقم 1 المندرج ضمن اتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة عام 1991، ويقترح أن تتضمن المفاوضات تحديد منهجية سياسية لتسوية النزاع بين الطرفين، إضافة إلى جدولة زمنية لمواصلة المفاوضات مستقبلاً بين الطرفين». ووفق التقرير نفسه، فقد طلب كوهلر «برمجة نقطة أخرى تتعلق باتفاق وافق عليه الطرفان عامي 1997 و1998، وتتعلّق بتدبير المعدات العسكرية والمنشآت الدفاعية الجديدة وعمليات الانتشار في المناطق المتاخمة للجدار الرملي بغية الحفاظ على الوضع القائم منذ وقف إطلاق النار عام 1991». نقطة أخرى يشملها التقرير وتتعلق بالوضع في منطقة الكركرات (وهي منطقة حدودية عازلة منزوعة السلاح، قريبة من موريتانيا جنوباً).
جدير بالذكر أنّ «النزاع حول إقليم الصحراء» بدأ عام 1975 عقب انتهاء وجود الاحتلال الإسباني، ليتحوّل النزاع بذلك بين المغرب و«البوليساريو» إلى «نزاع مسلح»، استمرّ حتى توقيع الطرفين اتفاقاً لوقف إطلاق النار عام 1991 برعاية الأمم المتحدة. وعلى إثر ذلك، تمّ تشكيل بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء، المعروفة اختصاراً بـ«المينورسو» لتكون مهمتها الأساسية «العمل على حفظ السلام». وتشرف الأمم المتحدة، بمشاركة جزائريّة وموريتانيّة، على مفاوضات بين المغرب و«البوليساريو»، بحثاً عن حلّ نهائي، في وقت أنّ هذا الصراع ذا الأبعاد الإقليمية يُعطِّل إقامة علاقات طبيعية بين المغرب وعدد من الدول الإفريقية، في مقدمتها الجزائر.


أكد دبلوماسي لـ«الأخبار» بدء المفاوضات في غضون
أيام في ألمانيا


وتُصرُّ الرباط على أحقيتها في ما تسميه «إقليم الصحراء»، وتقترح كحلّ منح الإقليم حكماً ذاتياً موسعاً، يكون بالتالي تحت سيادتها. فيما تدعو «البوليساريو» إلى تنظيم استفتاء لتقرير المصير بالإقليم، وهي مدعومة بذلك من قبل الجزائر. وتَقدَّم المغرب منذ عام 2007 بمشروع لمنح الإقليم حكماً ذاتياً موسعاً، إلا أنّ «البوليساريو» ترفض هكذا المقترح، وتصرّ على ضرورة تحديد المستقبل، بين البقاء ضمن سيادة الدولة المغربية أو الانفصال، عن طريق استفتاء لتقرير المصير.
هذا الإصرار من قبل «البوليساريو» ينعكس في تصريح مسؤول مكتبها في باريس محمد سلامي، الذي قال في حديث إلى «الأخبار»، إنّ الجبهة اشترطت «أن لا يكون التفاوض من الجانب المغربي على يد صحراويين مؤيدين لخيار الحكم الذاتي، وأن يتم اللقاء (المباشر) من دون أيّ وساطة، ولو كانت أممية، وأن يُقدِّم المغرب بياناً بشأنها، (وأضاف أنّه من ضمن الشروط) أن يكون التفاوض على قاعدة خيارات متعددة للتسوية، من ضمنها الحكم الذاتي، تُحسم بالاستفتاء».
وفي حديث إلى «الأخبار»، يرى الباحث المغربي وعضو «المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية» عبد المجيد بلغزال، أنّه «في حال اعتماد الوسيط الأممي كوهلر على المسارات السريّة، فإنّه سوف يُفلح في دفع الطرفين إلى العودة للمفاوضات المباشرة»، مشيراً إلى أنّ ذلك رهن بأن «يضمن لعمله الصمت والسريّة، بعيداً عن التوترات والتواصل مع الإعلام». وبينما يضيف أنّ كوهلر «مطالب بإيجاد بعض المداخل للبدء في بناء مسار للثقة على أنقاض الخلافات السابقة»، يلفت إلى أنّ المسؤول الأممي «تحلّى بالأعراف في تدبير النزاعات، وراهن على أن يتم عمله بعيداً عن الضغط الإعلامي وعن التوترات والتأويلات».
وأثناء الحديث، يبدي بلغزال اعتقاده بأنّ «العادة جرت في كلّ نزاعات العالم بأنّ المسارات التي أنتجت نوعاً من التطور هي تلك التي تميّزت بالهدوء والسريّة والابتعاد عن التوترات والمفرقعات الإعلامية التي غالباً ما يكون لها مفعول عكسي».




الحكومة المغربية: نفيٌ... لكنه «إيجابي»



أكد المتحدث باسم الحكومة المغربية مصطفى الخلفي، في حديث إلى «الأخبار»، صحة ما ذهبت إليه تسريبات صحافية في المغرب، لكون الموفد الأممي إلى الصحراء دعا المملكة إلى «لقاء ثنائي» مع «البوليساريو». لكنه لم يحسم مسألة قبول اللقاء المباشر، مشيراً إلى أنّ الأمر يتعلق إلى حدّ الآن بدعوة أممية لاستئناف التفاوض. وبرغم اعتباره أيضاً أنّ «المكان والزمان» لم يحدّدا بعد، فإنّه بشأن جواب الرباط على الدعوة الأممية قال إنّ بلاده «قرّرت التفاعل إيجاباً مع الدعوة الموجهة إليها». وأضاف أنّ «التعاون مع الأمم المتحدة سوف يتم في إطار الثوابت التي تؤطر سياسة بلدنا في القضية الوطنية (قضية نزاع الصحراء)».