تونس | المعروف أنّ كل ما حققته تونس منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/جانفي 2011، أو ما اكتسبته البلاد بعد رحيله، لم يتجاوز كثيراً حدود حرية التعبير والصحافة التي لطالما قُمعت خلال عقدين من حكمه بالحديد والنار. لكن اليوم أصبح هذا المكسب مهدداً بسبب تواتر اعتداءات رجال الشرطة على الصحافيين ومنعهم من أداء عملهم في الفترة الأخيرة، وحتى تهديدهم.


الحديث عن تواتر تلك الاعتداءات والتضييقات على الصحافيين من قبل الشرطة منذ بداية الشهر الماضي لا يعني أنّ المرحلة السابقة كانت خالية من أفعال كمنع التصوير أو حتى سحب أدوات العمل الصحافي. إلا انها كانت أشبه بـ«تصرفات معزولة» يقوم بها بعض رجال الشرطة، وسرعان ما تتدخّل وزارة الداخلية لإعادة الأمور إلى نصابها، بخاصة خلال فترة تولي الهادي مجدوب لتك الوزارة.
اليوم تتحوّل تلك التصرّفات والتضييقات إلى سياسة ممنهجة تتبعها وزارة داخلية يجلس على رأسها آمر «الحرس (الدرك) الوطني» السابق لطفي براهم، وهو رجل وصفته نقابة الصحافيين في تونس بأنه «كان يتمتع بسمعة سيئة في حقبة الاستبداد (في ما يخص علاقته) بالصحافيين وبالناشطين الحقوقيين، وقد أطلق يد أعوانه ضد الصحافيين بمجرد وصوله إلى سدة الوزارة».
لا يبدو أنّ توصيف النقابة في غير محلّه، إذ إنّ وزير الداخلية توعّد صراحة خلال وجوده في البرلمان، في بداية الأسبوع الماضي، بتتبع منتقدي الوزارة بحجة أنّه لن يسمح بـ«الحطّ من معنويات الأمن». كذلك تحدّث يومها عن رصد «اتصال» بين صحافي أجنبي ومحتجين على قانون موازنة الدولة في بداية الشهر الماضي، نتج منه التحقيق مع الصحافي وإيقافه لساعات. وقد انقلب هذا الحديث ضدّ الوزير براهم لأنّه فُهم على أنّه اعترافٌ ضمنيٌ بعودة التنصّت على هواتف الصحافيين. وجدير بالذكر أنّ مسألة الصحافي الأجنبي والتحقيق معه، رُبِطت بتصريح آخر للرئيس الباجي قائد السبسي، كان قد اعتبر فيه أنّ «الإعلام الأجنبي هوّل وضخّم الاحتجاجات على قانون موازنة الدولة» (سبب الربط أنّ تصريح الرئيس التونسي قُرئ على أنّه بمثابة الضوء الأخضر لوزارة الداخلية ورجال الشرطة للتضييق على عمل الصحافيين الأجانب، وحتى المحليين).
لم يقف الأمر عند ذلك الحدّ، لأنّ الأزمة اندلعت فعلياً بين وزارة الداخلية ونقابة الصحافيين، قبل أسبوع، بسبب اعتداء الشرطة على صحافي حاول تصوير قيامهم بمنع مظاهرة «مثليّين» في وسط العاصمة في شارع الحبيب بورقيبة، من خلال استخدام العنف. وقد وجّه «نقابيون أمنيون» تهديدات واضحة للصحافيين، وحرّضوا عليهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما لم تحرّك وزارة الداخلية ساكناً، كذلك لم تفعل الحكومة برئاسة يوسف الشاهد.


نقابة الصحافيين: تمتّع
وزير الداخلية بسمعة سيئة
في حقبة الاستبداد

صمت الحكومة على وزير داخليتها، وعلى التهديدات وما سبقها من اعتداءات جسدية ولفظية على الصحافيين، قابلته نقابة الصحافيين بإعلان مقاطعة أنشطة وزارة الداخلية والنقابات الأمنية التي أصدرت بدورها تهديدات للصحافيين.
لكن التحرّك الأبرز تمثّل في تنظيم «يوم غضب» أمس، جعلت منه بعض الصحف المحلية خبراً رئيساً على صفحاتها الأولى، فيما تجمع خلال النهار عشرات الصحافيين في مقرّ النقابة وأمامه حاملين شارات حمر. أما الصحافيون في بقية المحافظات التونسية، فقد نظّموا وقفات احتجاجية بالتزامن مع تجمع زملائهم في العاصمة. وتواصلت فعاليات «يوم غضب الصحافة التونسية» من خلال تخصيص حيّز في وسائل إعلامية (مرئية ومسموعة)، هدفت إلى تسليط الضوء على التهديدات التي باتت تحيط بحرية الصحافة وممارسة المهنة الصحافيّة.
وخلال التجمع أمام مقرّ النقابة، أعلن نقيب الصحافيين ناجي البغوري، أنّ «الحرية التي كنا نفخر بها باتت مهددة، ولا سيما حينما تقول وزارة الداخلية إننا نتنصت ونرصد المكالمات». كذلك استغرب صمت القضاء ووزارة العدل عن الممارسات الخارقة للقانون التي انتهجها بعض قادة النقابات الأمنية والتراخي في متابعة المعتدين. وقال البغوري إنّ «الصحافة ليست قطيعاً، ولن تُوجّه إلى وجهة تريدها السلطة».
وفي وقت أنّ من غير المستبعد وقوع تصعيد يمكن أن يصل إلى تنفيذ إضراب عام في قطاع الإعلام، فجدير بالذكر أنّ قطاع الإعلام في تونس شهد خلال حكم «الترويكا» تنفيذ أول إضرابين عامين منذ استقلال البلاد عام 1956. سُجِّل الأول في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2012 بهدف الوقوف في وجه توجهات لدى «حركة النهضة» كانت تريد ضرب الإعلام والسيطرة عليه. أما الثاني، فسُجِّل في 17 أيلول/سبتمبر 2013 إثر سجن الصحافي زياد الهاني، بتهمة الإساءة إلى القضاء.




منع تغطية الاحتجاجات؟

قالت منسقة وحدة الرصد في «مركز السلامة المهنية» التابعة لنقابة الصحافيين خولة شبّح، في حديث إلى «الأخبار» إنّ «الوحدة لاحظت منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي ارتفاع وتيرة الاعتداءات على الصحافيين ومنعهم من العمل، وذلك مقارنة بالأشهر الماضية». وأضافت أنّ ذلك المشهد قاد نحو «طفرة في الاعتداءات على الصحافيين» شهدها الشهر الماضي على خلفية تغطيتهم للاحتجاجات التي شهدتها البلاد ضد مشروع الموازنة.





الجلاصي: سياسات «الداخلية» ممنهجة

في حديث إلى «الأخبار»، يقول عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين محمد ياسين الجلاصي، إنّ كلّ المؤشرات تدفع باتجاه اعتبار أنّ ثمة توجهاً للحد من مساحة حرية التعبير والإعلام في تونس. ويبرر ذلك بالقول إنّ سياسة التضييق على الصحافيين والاعتداء عليهم لم تعد تصرفات معزولة، بل هي سياسة ممنهجة تعتمدها وزارة الداخلية، بتحريض غير مباشر من رئيس الجمهورية الذي سبق له أن صرّح بأنّ تعاطي الإعلام الأجنبي مع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد لم يكن مهنيّاً.
ويؤكد الجلاصي أنّ «يوم غضب الصحافة في تونس» ليس سوى تحرّك أوّلي هدفه لفت الانتباه للخطر الذي يواجهه الإعلام، والتحذير من مغبة تواصل الاعتداءات على الصحافيين. ويشير في سياق الحديث إلى أنّ النقابة ستبحث مع نقابات أخرى (جمعية مديري الصحف والنقابة العامة للإعلام) التحركات الكفيلة بالدفاع عن حرية التعبير واستقلالية الإعلام، وهي تحركات يمكن أن تصل إلى الإضراب العام.